جريدة الرياض اليومية

الأحد 17 رجب 1429هـ -20 يوليو2008م - العدد 14636
[ الأولـــى | متابعات | شؤون دولية | محليات | لقاء | مقالات اليوم | طــب | ثقافة اليوم | الرأي | الرياض الاقتصادي | تقنية المعلومات | دنيا الرياضة | الكاريكاتير | محطات متحركة | تحقيقات وتقارير | الصحفي الإلكتروني | الأخــيــرة | ]
زارعو الشوك في الأرض العربية

د. حسناء القنيعير

استعرضت في الأسبوعين الماضيين أجزاء من كتاب إدارة التوحش لأحد المحسوبين على التنظيم الإرهابي تنظيم القاعدة، ذلك الكتاب الذي يحمل كما من المفاهيم الإرهابية التي ينبغي محاربتها كما تحارب الفيروسات الناقلة للأمراض الفتاكة، ولاسيما ما يتعلق منها بتعبئة الشباب وتحريضهم على أوطانهم خاصة والعالم بأسره عامة..

في الأسبوع المنصرم راعني مرأى شباب بلادي وهم يساقون لمكتب الهجرة في مطار نيويورك للتحقق من هوياتهم، مشهد اعتدت على رؤيته كل عام وفي كل مرة أمني النفس بأن تتغير صورتنا في العالم للأحسن بعد التشويه الذي اعتراها بأيدي جهلة مارقين، ذلك الإجراء يُخضع له جميع الشباب السعوديين، الذين يترددون على أمريكا سنويا، والذين يحملون جنسية أمريكية بحكم الولادة، وحتى الذين يدرسون فيها لا يعفيهم ذلك من المرور على مكاتب الهجرة في المطارات الأمريكية. فلماذا أصبح كل أبنائنا مشبوهين إلى هذا الحد دون تفريق؟ أليس بعضهم هو من زرع ذلك الشوك الذي صرنا جميعا دون استثناء نعاني آلام الوطء عليه؟ وهل نلوم دول العالم التي أصبحت تتبارى في أساليب ابتزازنا بحجة محاربة الإرهاب كشركة الطيران البريطانية التي فرضت ضريبة إرهاب هذا الصيف على الركاب السعوديين فقط، احترازا من تعرضها لإرهابهم؟ ذلك أنهم يفترضون الجميع إرهابيين، ومن يدري فربما حذت حذوها شركات طيران أخرى، وربما فنادق وعمارات سكنية ووسائل مواصلات ومطاعم وأنشطة مختلفة؟ فماذا نحن فاعلون إزاء هذا الابتزاز؟ ثم هل نملك حق الرفض أو الاحتجاج؟ وكيف نرفض أو نحتج والإرهاب ضارب أطنابه في بلادنا ومتغلغل في البنية الفكرية لبعض المتشددين والمتعاطفين مع فكر القاعدة وأهدافها،

أولئك الذين ما فتئت أجهزة الأمن تقبض عليهم قبل أن ينفذوا أهدافهم الخبيثة؟ أسئلة دارت في ذهني وأنا أنتظر ابني الذي ذهب مع باقي ركاب الطائرة من الشباب إلى ذلك المكتب للتحقق من هويته، فلم يشفع له صغر سنه ولا كونه ممن يترددون سنويا على أمريكا مع أسرته مذ كان طفلا، مما يؤكد أننا جميعا مشبوهون؟

لا غرابة في كون المنطقة العربية أكثر مناطق العالم تعرضا للإرهاب وإنتاجا له ؛ ذلك أن جل الإرهابيين من أبنائها الذين خرجوا على تعاليم دينهم ومبادئه السمحة بدعوى إقامة دولة الخلافة الإسلامية

التي نادى بها كبيرهم الذي علمهم السحر سيد قطب ذات جحيم ثوري لا صلة للإسلام به!.

صاحب الإيديولوجية الإرهابية الذي قسم المجتمع الإسلامي إلى معسكرين مسلم وجاهلي، وسيد قطب نفسه انقسم الناس حوله ؛ فمنهم من يرى فيه عودة لفكر الخوارج الذين ظهروا في القرن الهجري الأول بعد لعبة التحكيم فخرجوا على علي بن أبي طالب ورفعوا شعار (لا حكم إلا لله). وبعض آخر يرى أنه أسس للتشدد الديني ومهد لحركات التكفير والهجرة التي عرفتها الساحة العربية والإسلامية في سبعينيات القرن الماضي وما بعده.

ولا ريب أنه المؤسس الحقيقي للتشدد الديني والفكر المتطرف، كما يعد بحق رائد الصياغة الثورية للفكر الإسلاموي الحديث، ذلك أن تكفير الأنظمة والحكومات الإسلامية لم يقل به أحد سواه، وهو الذي قرر أنه ليس ثمة سوى نوعين من الحكم، حكم إسلامي تكون الحاكمية فيه لله وحده، أو حكم جاهلي وهو كل حكم لا تكون الحاكمية فيه لله، وقد انتشرت فكرة الحاكمية بين التنظيمات المتشددة انتشار النار في الهشيم، فلم يكن أحد قبل سيد قطب يكفر من ينطق بالشهادتين بمن في ذلك الحكام، إضافة إلى أن الحركيين المتطرفين اكتشفوا أن أفكار سيد قطب بمثابة حكم عليهم بأنهم على الرغم مما بذلوه من تضحيات في سبيل الدعوة للإسلام لا يزالون يعيشون في جاهلية! فنهضوا يتصدون للجاهلية بكل ما يملكون ومالا يملكون من أسلحة الفتك ودمار المجتمعات الإسلامية ماديا ومعنويا.

ويعد كتاب سيد قطب معالم في الطريق الوثيقة التي تحمل في طياتها بذور الفكر الديني المتطرف الذي دعا فيه إلى محاربة الدول العربية والإسلامية التي يزعم أنها لا تقيم شرع الله كما كان الأمر في دولة الخلفاء الراشدين!!

ولقد انتشرت ثورية سيد قطب في العالم الإسلامي من المحيط إلى الخليج وتشظت كالقنابل الانشطارية، وآمنت بها وتبنتها مجموعات ثورية، ففي مصر أكثر عبدالسلام فرج صاحب كتاب: الجهاد الفريضة الغائبة الذي كان يقف خلف اغتيال السادات أكثر من الحديث في كتابه عن دعوة المجتمعات إلى الإسلام وإخراجهم من جاهليتهم ونادى بتكفير الحكام ومحاربتهم، ومن فصول كتابه فصل بعنوان حكام المسلمين اليوم في ردة عن الإسلام، بدأه بقوله: فحكام هذا العصر في ردة عن الإسلام، تربوا على موائد الاستعمار، سواء الصليبية أو الشيعية أو الصهيونية، فهم لا يحملون من الإسلام إلا الاسم وإن صلى وصام وادعى أنه مسلم!!! وهذا تكفير واضح لمسلمين لا يعلم ماذا في قلوبهم، وهو الأمر الذي يشير إلى استسهال هؤلاء المتطرفين للتكفير كما يستسهلون إراقة الدماء، وهو أيضا يفسر مسارعة متشددين آخرين في بلادنا إلى تكفير المخالفين لفكرهم المتشدد دون بينة!! ودون وجه حق!!

وهو كسيد قطب يرى أن العدو القريب أولى بالحرب من العدو البعيد، حيث يقول:وهناك قول بأن ميدان الجهاد اليوم هو تحرير القدس كأرض مقدسة والحقيقة أن تحرير الأراضي المقدسة أمر شرعي واجب على كل مسلم، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف المؤمن بأنه كيس فطن أي أنه يعرف ما ينفع وما يضر ويقدم الحلول الحاسمة الجذرية وهذه نقطة تستلزم توضيح الآتي:

إن قتال العدو القريب أولى من قتال العدو البعيد.

إن أساس وجود الاستعمار في بلاد الإسلام هم هؤلاء الحكام فالبدء بالقضاء على الاستعمار هو عمل غير مجدٍ وغير مفيد وما هو إلا مضيعة للوقت، فعلينا أن نركز على قضيتنا الإسلامية وهي إقامة شرع الله أولاً في بلادنا وجعل كلمة الله هي العليا، فلاشك أن ميدان الجهاد الأول هو اقتلاع تلك القيادات الكافرة واستبدالها بالنظام الإسلامي الكامل ومن هنا تكون الانطلاقة.

كذلك فعل صالح سرية حين كفر في إحدى رسائله ÷كل الأنظمة وكذلك كل البلاد الإسلامية التي اتخذت لها مناهج ونظماً وتشريعات غير الكتاب والسنة، فقد كفرت بالله واتخذت من نفسها آلهة وأرباباً، فكل من أطاعها مقتنعاً بها فهو كافر.

وأما الظواهري فقد صرح في كتبه بضرورة الكفاح الشامل ضد الأنظمة الحاكمة في البلاد العربية والإسلامية وفي العالم كله. ولهذا سرعان ما تلقى تلك الأفكار ابن لادن وصاحبه عليها لأنها صادفت هوى في نفسه التي جُبلت على الإجرام والإرهاب والحقد!! وأما الأصولي الفلسطيني عبدالله عزام الذي كان له السبق في أفغنة الشباب العربي وكان أول من طبق مفهوم الطليعة أو النخبة القطبية التي دعا إلى بنائها سيد قطب بقوله (ضرورة بناء الطليعة المؤمنة التي ستكون نواة للمجتمع الإسلامي على صورته الأولى ونقاؤه لا يتأتى إلا من عزلته عن الجاهلية السائدة).

كل الأفكار السابقة هي نفسها التي قالها سيد قطب، وهي التي تلقفها فتية القاعدة الإرهابيون وقاموا بصياغتها في كتابهم إدارة التوحش الذي عملوا على نشره في مواقع الإنترنت المشبوهة التي تروج لأفكارهم وتساعد على إنشاء التنظميات والتجمعات السرية والحركات الباطنية للثورة على دول المنطقة وإشاعة الإرهاب فيها.

يستغل هؤلاء الإرهابيون مشاعر البسطاء الدينية فيبثون أفكارهم التدميرية، ويسوقون قبلها كثيرا من الآيات والأحاديث النبوية لإحكام قبضتهم على العقول التي اعتادت أن تتلقى ما يرمى إليها دون تفكير ودون إعمال آليات النقد لفرز الخبيث من الطيب، كاستشهاد مؤلف الكتاب في أحد فصوله الذي عنوانه "مناهجنا رحمة للعالمين" وهي كلمة حق يراد بها باطل، وهل ثمة باطل أكثر مما يقولون ويفعلون؟ ثم يستشهد بقوله تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) في محاولة خبيثة ووقحة لمقارنة أنفسهم وما يقومون به ويدعون إليه بالرسول محمد ورسالته السماوية! فأي جرأة وأيّ إجتراء على الدين ورسوله هذا الذي يقولون ويفعلون!!

ولا شك أن سلاح الدين هو أعتى سلاح يستخدمه كل من أراد الوصول لأغراض دنيئة يعلم يقينا أنه لن يستطيع الوصول إليها إلا بهذا السلاح ،إضافة إلى قدرتهم الفائقة على السيطرة على الشباب لتحقيق مآربهم فهم دوما وقود الحرب التي يشعلها الإرهابيون، تلك الحروب التي ينساق إليها السذج من الشباب وصغار السن في معركة هم أول الخاسرين فيها.

وبعد يأتي كتاب إدارة التوحش ليلخص فكر سيد قطب ومن جاء بعده من زارعي الشوك في الأرض العربية، من لدن التكفيريين السابقين وصولا للمارق ابن لادن، كتاب يرسم استراتيجية القاعدة التي تعمل لتحقيقها، معتمدا العنف والقتل والتدمير وتخريب الاقتصاد لإفقار الشعوب ونشر الفوضى فوضى الرعب التي يسعى لتحقيقها ابن لادن وبقية الخارجين على القانون العام للشعوب ؛ ليسهل قيادتها والسيطرة عليها لو قُدر لهم ذلك، كل هذا يتخذونه وسيلة من وسائل التغيير الذي يزعمون أنه من أجل أسلمة العالم كله وتصحيح مسار الدين، بإجبار الناس كافة على الدخول فيه متجاهلين أن الإسلام لم يقم على الجبر بل على الاختيار ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ؛ لأن الله غني عن العالمين.

المخيف في الأمر هو انتشار الكتاب، كتاب الرعب عبر الإنترنت، والأكثر رعبا هو ردود فعل المتلقين له الذين كالوا عبارات الشكر والثناء والدعاء لمن وضع لهم الكتاب في الموقع، مما يؤكد أنه يحظى بالقبول لدى فئات لا يستهان بها، مما لا يعلم عددها إلا الله، ولعله من المفيد للعقلاء في بلادنا قراءة الكتاب بتمعن، والوقوف طويلا عند كثير من فصوله وأبوابه، فخطورته لا تخفى على ذي بصيرة، واستهداف بلادنا أكثر وضوحا من الشمس. يبقى للخطباء وأئمة المساجد وذوي التأثير من المعلمين وغيرهم من العاملين في المخيمات الصيفية دور هام في التوعية والتحذير من ذلك الكتاب - الذي يعتلي مؤلفه والمخططون لاستراتيجيته صهوة الدين دون خوف أو حياء لتحقيق مآربهم المدمرة - فهل يفعلون؟؟؟؟

مشاهدة النسخة كاملة
عرض التعليقات

| أعداد سابقة | اتصل بنا |
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية