لن أكتب عن قرار وزير التربية والتعليم بمنع توقيع أي مسؤول تحت أي مسمى علمي ما لم يكن معترفاً به من جهات الاختصاص، ولا عن كيف تساهلت الوزارة ولسنوات في هذه المسألة الخطيرة، فقد تناولت مقالات كثيرة الموضوع، والقرار بلا شك سيصحح الخلل ويعيد الأمور إلى نصابها، ولكن المشكلة لا تكمن هنا فقط، فماذا عن حاملي الشهادات العليا المعتمدة وفيهم الغث والسمين، وكلامي عن النوع الأول من الأدعياء، الذين تحولت الشهادة عندهم إلى مجرد لقب وتتميم للشكل الاجتماعي؟؟ أو فرصة للحصول على منصب أرفع؟؟ أو أنهم حصلوا عليها وظلوا في أماكنهم ينعمون بالحسنيين، الراحة والامتياز المالي، وبدل أن يتحملوا مسؤولية الشهادة التي حملوها ويواصلوا البحث والدراسة وتقديم المزيد من الإنتاج العلمي والفكري، تابعوا العمل الروتيني بلا عطاء أو أي إشعاع فكري يوجه العمل ويفيده.
الشهادة العليا بداية وليست نهاية، بداية للبحث،.. للتفكير العلمي والمنطقي..، للتعمق المعرفي..، والمستوى الأكاديمي عادة يصاحبها مستوى فكري ونفسي وسلوكي، هذا الذي عرفناه وسمعنا عه في كل بلاد العالم، أما الواقع الذي نراه فهو مخالف، فقد رأينا في مجال العمل من يعجز عن إبداء رأي في موقف ما، أو إيجاد حلول لمشكلة، أو حتى صياغة عبارة دون أخطاء إملائية أو لغوية.
وفي مجالات أخرى، هناك أفراد حصلوا على مستويات أكاديمية عالية ولم تحدث أي نقلة نوعية في أدائهم وتفكيرهم، لأنهم غير مؤسسين ثقافياً وفكرياً ونفسياً، لذلك قد تجد أحيانا تشابها بين تفكير حامل شهادة علمية، وتفكير أمي،.. وحامل شهادة ابتدائية يفكر بمنهجية أكثر من حامل دكتوراه، وفي أوساط أساتذة جامعيين من الجنسين، نسمع من يروج لأفكار ساذجة وخرافات، وكم من حامل وحاملة للدكتوراه في التربية تتفاجأ بعدم وجود أي أثر لعلمهم في تربية أولادهم وفي علاقاتهم، بل إن سلوكيات وتصرفات بعضهم تبعث على الاستغراب والاستنكار، وكثيراً ما نسمع قصصا، ونشهد مواقف عجيبة، ثم نكتشف أن أبطالها وبطلاتها من حاملي لقب (دكتوراه)!، فهل هي عقد نفسية، أم أنه الشعور بأنهم امتلكوا العالم بمجرد حصولهم على هذا اللقب وبالتالي لهم أن يتصرفوا كما يحلو لهم؟؟، طبعاً أنا لا أعمم، ولكنها حالات متكررة ومشهودة.
وإذا أتينا إلى الرسائل العلمية والتربوية نجد بعضها يحمل عناوين طويلة براقة ومصطلحات رنانة، وتبحث في موضوعات جزئية لا تثري مجال العمل ولا تقود إلى بحوث متقدمة، ولا تصلح حتى أن تكون ميدانا للاهتمام والنقاش، وقد تكون مناسبة لورقة بحثية أو دراسة قصيرة، وهذا يفسر ضحالة تفكير أصحابها وعدم قدرتهم على المشاركة في أي حوار علمي وعقلاني، ويؤكد أن هدفهم هو الحصول على الدرجه العلمية والترقية.
وبعد هذا، ألا يجدر بالجهات المعنية أن تتشدد في منح الموافقة على إتمام الدراسة العليا وتطبيق المعايير شكلا ومضمونا، فلا يؤخذ كل من هب ودب وأن يكون اختيار الموضوعات حسب أهميتها وجدواها.
الشهادة العليا مسؤولية وعلى حاملها أن يتحمل مسؤوليتها حتى لو واجهته عوائق وظروف محبطة مادية واجتماعية، وتعليق البحث والعطاء على الظروف غير مبرر ولا مقبول، فالتفكير والعطاء العلمي مسألة ذاتية،. وتحضرني هنا قصة سمعتها من سنين، تمثل توقف عملية البحث والاطلاع عند بعضهم بعد حصوله على الشهادة، وهي أن بعض الأساتذة في قسم من أقسام كلية ما، ممن درسوا في الخارج، كانوا يستغربون من زميل لهم، مداومته على القراءة ومكابدته البحث في كتب باللغة الإنجليزية، وبالتخصص الذي يدرّسه للطلاب، وأقر أحدهم مرة أمامه بأنه لم يمسك كتاباً باللغة الإنجليزية منذ أن اكتسب حرف الدال!!.