هل أصبح تغيير الزعامات في دول "مارقة" بالحرب، أو إعلان القبض على زعامات كما جرى في صربيا، والآن بالسودان، وقبل ذلك تطبيقه على زعامات في أمريكا الجنوبية بأن الطرق القديمة في الانقلابات، والاغتيالات، لم تعد تحدث التغييرات المطلوبة بالإصلاح ووقف المجازر والفساد الاقتصادي، وهنا يأتي اللجوء إلى محكمة الجنايات الدولية بإصدار أحكام تشابه ما سبق للقبض ومحاكمة الحكومات النازية والفاشية، وهي عودة ليس لتحقيق العدالة، بدليل ان هذه الملاحقات لم يتم تطبيقها على دول استعمارية، استعملت أبشع الجرائم للشعوب المحتلة، ومنها الآن النموذج الإسرائيلي والذي وضعت بريطانيا على لائحة القبض عليهم كل الزعامات الذين أسسوها ولا يزال منهم أحياء يتمتعون بأهلية الحماية الدبلوماسية؟.
لا نقول ان الرئيس السوداني مظلوم لأحقاد دول لها رغبة ملحة بخلق قلاقل وتقسيم للبلد الكبير، وليس لأنه الضمانة الرئيسية في تماسك واستقرار وحدة السودان، بل كانت تصرفاته في دارفور لا تلتقي مع قناعة العديد من أصحاب القضية الداخلية والمعنيين بها، لكن الموقف أكبر من ذلك، أي أن دارفور هي عراق آخر في التنافس الدولي، باعتبارها المنجم وبئر البترول والحديقة الكبرى، ومثلما حاربت ألمانيا في اشعالها حربين عالميين طمعاً في ثروات العالم وأسواقه ونزعها من دول أوروبية، فإن الصراع على السودان صار صينياً وأمريكياً وأوروبياً، بمعنى ان القارات الثلاث حاضرة في هذه الهيمنة، ولم يعد الوقت يسمح بتحالفها، أو تقسيمها باعتبار هذه الثروات قيمة بذاتها لا تقبل القسمة، وحتى الحرب غير المنظورة بين هذه القوى، دخلت وهي تعلم ان من يهيمن أو يمتلك هذه الثروات يجسد قوته المادية ونفوذه العسكري، والصين التي تحولت من "ملعوب" إلى "لاعب" جديد على الساحة الدولية، تدرك أن عصرها لم يعد يحتمل اشعال حروب بين القوى العظمى، لكنها قابلة للحروب بالنيابة وهنا تم اشعال دارفور بصراع قبلي وصل إلى حد الإبادة..
هناك من يموتون في الحروب والمجاعات من خلال دكتاتوريات أو صراعات دينية وقبلية، والمثل الأبرز "الصومال" لم نر من يهتم بمصير هذه الشعوب، ولم تتحرك محكمة الجنايات الدولية لحمايتها، ولا كيف السماح لأمريكا باحتلال العراق، وأفغانستان وكيف تستمر بريطانيا باحتلال "الفوكلاند وجبل طارق" وغيرهما وقد اشعلت حرباً مع الأرجنتين بسبب النزاع على تلك الجزر، وهنا السؤال هل هذه المحكمة جاءت من حس إنساني وعدالة غائبة لتحضر وتحصر مشكلتها مع الرئيس السوداني وتنسى الجرائم الأخرى؟ أم ان المحرك الأساسي لصحوة ضميرها، جاء من خلال فاعل غير منظور فتح سجل القانون الدولي ليستغله، ويضعه كواجهة لأحداث تستدعي إعلان القبض على زعيم ما، أو رئيس منظمة ليفتح الطريق إلى أن تكون بعض الدولة شرطة جنايات، والأخرى مجرمة مطالبة بالمثول أمام عدالتها؟..
المضحك أن هذا السلوك قد يكون بداية لمحاكم تفتيش جديدة يمولها ويوجهها الكبار، ومن أجل أهداف سياسية أو مغانم مادية، والرد بسيط سيكون الإرهاب خط المواجهة وقد لا يكون دينياً ولكنه وطني وقومي.