كلما سافرت من المدينة الى الرياض أمارس هوايتي المفضلة في النظر من نافذة الطائرة وتتبع مجاري الأنهار القديمة الجافة على سطح الأرض.. فجزيرة العرب تغيرت - خلال العشرة آلاف سنة الأخيرة - من منطقة غابات خصبة إلى صحارى جافة لا تملك أنهارا ولا بحيرات ولا غطاء أخضر. وأقوى دليل على حدوث هذا التغير القاسي حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تعود جزيرة العرب غابات وانهارا )ولاحظ استعماله كلمة تعود وليس تصبح كدليل على رجوعها الى وضع كانت عليه سابقاً.. وفي حين اختفت الأنهار العظيمة والبحيرات الواسعة - من شبة الجزيرة العربية - لم يبق غير مجاريها العميقة وأحواضها الجافة التي يمكن تمييزها حتى اليوم.. من ارتفاع كبيييير!
ورغم سرعة التغير المناخي - الذي أصاب جزيرة العرب - إلا أنه يبدو ثابتا وساكنا للانسان العادي (بسبب قصر حياة الانسان نفسه مقارنة بالتغيرات الجيولوجية والمناخية التي تتطلب آلاف السنين(..
أما من الناحية الجيولوجية فتعد الأنهار والبحيرات سريعة التأثر بأي حدث جيولوجي أو مناخي طارئ. فُرب زلزال أو صدع (أو حتى سد) يحرف مجرى النهر ويتسبب بجفاف البحيرة نفسها.. وكنت قبل فترة قد كتبت مقالاً عن قرب اختفاء البحر الميت وبحر الأورال (على حدود أوزبكستان) بسبب حجز واستهلاك الأنهار التي تصب فيهما.. وقبل ذلك تمكن نظام صدام حسين خلال أشهر من تجفيف بحيرات الأهوار جنوب العراق (بحجة اختباء الثوار فيها) بمجرد منع مياه دجلة والفرات من الوصول إليها..
وهذه الأيام كثيراً ما نسمع أن شح المياه سيكون سببا للحروب في الشرق الأوسط؛ فنهر الأردن على سبيل المثال يشكل عامل توتر دائم بين اسرائيل والأردن، والنيل يظل محل جدل - من حيث حصص الدول - بين أثيوبيا ومصر والسودان... أما الفرات (فقصته قصه) كونه منطقة أزمات دائمة وجاء عنه حديث نبوي صحيح/ فجميعنا يعرف أن الفرات ينبع من تركيا التي تعد الوحيدة من بين دول المنطقة التي تتمتع بفائض مائي عذب ومع هذا تسعى تركيا لاستغلال أكبر قدر من مياه النهر لإحياء جنوب الأناضول الجاف.. فالمشاريع التركية تضم 21سدا أعظمها سد أتاتورك الذي يصنف كواحد من أكبر 10سدود في العالم (غطت البحيرة المتشكلة خلفه 250قرية لا يرى منها اليوم سوى رؤوس المآذن( وان صدقت الدراسات التي تشير الى ان المياه ستكون السبب الأول للحروب في الشرق الأوسط سيكون الفرات أقوى مرشح لتفجيرها!!
... وفي الحقيقة ان كثرة المشاريع التي نفذت وستنفذ على نهر الفرات تجعلنا نتساءل عن مدى قدرته على التدفق والوفاء باحتياجات الناس حوله (خصوصا في ظل الجفاف الذي يضرب المنطقة(. والتنافس المحموم لاستنزاف اكبر قدر من مياهه يذكرنا بحديث المصطفى صلى الله عليه: "لن تقوم القيامة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون ويقول كل رجل منهم: لعلي اكون انا الذي أنجو"..
..... ومن يدري؛ لعل أحداث اليوم هي المعنية بمغزى الحديث!