د. شروق الفواز
لم تدهشني التعليقات التي تبعت مقالي السابق (قيادة المرأة للسيارة تغري بالثرثة) لأنها ليست بالجديدة سواء المؤيد منها أو المعترض لأننا كنا ولا نزال ندور في دائرة مغلقة نشجب ، نعلق ، نمتنع، نؤيد ، نرفض، دون أن نحرك ساكنا أو ننتقل من تفاعلنا السلبي إلى استحداث واقع أكثر إيجابية يقرب الأفكار ويحل جميع الإشكالات. قبل أن أبدأ بتفنيد بعض تلك التعليقات التي بدت متحاملة دعوني أحدثكم عن تجربتي كمثال وليس كنموذج.
طوال مدة اقامتي في مدينة لندن وهي مدينة كبيرة ومزدحمة وتعج بملايين البشر لم أفكر يوما باقتناء سيارة أو قيادتها مع أنه لا يوجد ما يمنعني من ذلك، وهذا لا يعني أني من الرافضات لقيادة المرأة للسيارة، لكني لم أحتج لذلك لأني أعيش في مدينة توفر لي وسائل مواصلات آمنة ومريحة وخيارات متعددة لاتضطرني للاحتياج لأي انسان وتصون كرامتي. اتنقل فيها واسير في شوارعها دون أن يتجرأ أحد على مضايقتي أو المساس بي أو انتهاك حقوقي. لوجود نظام يحميني ويمنع عني أي ضرر بعد الله. فليس كل من في تلك المدينة على خلق أو دين لكن أدوات النظام تلزمه بواجباته تجاه الآخرين وتضمن له حقوقه.
عندما كنت في مدينة الرياض كان لي سائقي وسيارتي الخاصة، حياة قد تبدو مرفهة لكنها ملغمة بالمشاكل التي يجرها السائق علي وعلى عائلتي، فقد كنت دائما معرضة لابتزازه ومطالباته برفع راتبه خصوصا في بداية موسم الدراسة عندما يبدأ الآخرون بإغرائه بالعمل لديهم وترك كفلائه الأصليين. لا أسلم من مفاجآته التي قد تنقلها لي جارتي وهي تشتكي من تحرشه بخادمتها وشرائه لهاتف جوال لها وتطلب مني تأديبه ! أو من شكوى من أزورهم من طول بقائه أو تدخينه داخل بيتهم أو أمام بابهم. أو من مخالفاته المرورية وتعامله السيء واللامبالي مع السيارة التي يقودها. وأخيرا من هروبه المفاجىء وغيرر المبرر ومعاناتي في البحث عن بديل له وأنا أسمع أخباره تصلني من حين لآخر بأنه يعمل لدى أسرة في حي مجاور لي دون أن يكون لي من أمره لا فعل ولا حيلة.
مرت سنوات عدة ونحن نناقش في القضية ذاتها في منافعها وأضرارها ونسمع أصواتا قوية معارضة لها وأخرى تندد بتشددها دون أن يتغير من حالنا شيء.
إنه لمن المحزن فعلا أن نظل على عنادنا وتعنتنا في دراستنا لقضايانا ونسمح للآخرين بالتدخل فيها دون أن نتحرك نحن لتعديل أوضاعها. إذا كنا رافضين لقيادة المرأة فلماذا لم نطرح بدائل عملية لها، تضمن لها التنقل الآمن وتحترم حقوقها وتقلل من احتياجها.
بعض القراء علقوا على مقالي السابق بأن قيادة المرأة للسيارة ستزيد من الزحام المروري الذي يعانونه وكأنهم نسوا بأن السبب في هذا الزحام هو عدم التزامهم وتقيدهم بأنظمة المرور. وفي تهويلهم في الحديث عن زحام مدنهم الكبرى وكأنهم يحكون عن مدينة مومبي أو القاهرة بينما الواقع غير ذلك فالزحام سببه سوء التنظيم وامتلاء الشوارع بالسيارات الخردة التي يقودها أناس من الصعب تصديق حملهم لرخص قيادة مرورية، ولا يقارن وعينا وذوقنا في القيادة بدول أخرى يسمح فيها للمرأة والرجل بالقيادة على حد سواء .أما القارىء الذي استغرب عدم توفر سيارة أجرة وهو يعرف أن سيارات الأجرة لدينا، لاتحمل أجهزة لا سلكي ولا تتوفر بالطلب ولا في جميع الأحياء السكنية بل في الشوارع العامة والكبيرة. أحد القراء ذكر في تعليقه، أنه تموت زوجته أو أخته ولا يضيع عرضه، ولو كان فعلا حريصا على عرضه فعليه أن يحترم أعراض الآخرين ويعلم أبناءه احترامها فروح المرأة ليست ملكا له ليضحي به. فنحن نتحدث عن أبنائنا وكأنهم كائنات متوحشة لم تتربَ في البيوت أو تتلقى تعاليم الإسلام التي تشهد بشهادتها. ولو التزمنا كمسلمين قبل أن نكون سعوديين بآداب الإسلام وآداب الطريق التي شدد عليها ديننا لما خشينا على أنفسنا ولا على أعراضنا من مخاطر الطريق.
فأبناؤنا ليسوا أقل وعيا ولا احتراما من غيرهم وكفانا اساءة ظن بهم، وحتى وإن كان منهم من هو كذلك فالأنظمة الصارمة كفيلة بتعديل سلوكه وتأديبه.