في الثامن من تموز يوليو الجاري، وقعت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس مع نظيرها التشيكي كارل شفارتسينبيرغ اتفاقية تقضي بإنشاء محطة رادار أمريكية في منطقة بردي العسكرية التشيكية. وتخطط الولايات المتحدة لنصب رادار في التشيك بحلول العام 2011، وعشرة صواريخ اعتراضية في بولندا في 2013، لتشكل هذه العناصر مجتمعة الشق الأوروبي للمنظومة الصاروخية الأمريكية المضاد للصواريخ، والتي شيّد لها حتى الآن موقعان داخل الأراضي الأمريكية، الأول في ألاسكا والثاني في كاليفورنيا.
وإذا كانت الحكومة التشيكية قد حسمت أمرها وأبرمت الاتفاقية الخاصة بالرادار مع واشنطن، فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة للحكومة البولندية، حيث تطرح هذه الأخيرة جملة من الشروط التي لا تبدو الإدارة الأمريكية في وارد الإقرار بها، على الأقل في هذا الوقت. ففي الرابع من تموز يوليو الجاري، أعلن رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن بلاده لن تقبل بنصب الصواريخ الاعتراضية في أراضيها وفقاً للعروض المقدمة من الإدارة الأمريكية. وقال توسك: "يجب أن نحصل على ضمانات فعلية من واشنطن تؤكد على أن نشر قاعدة للمنظومة الأمريكية في بولندا سيزيد من أمن بلادنا".
وقد طلب البولنديون من الولايات المتحدة تزويدهم بمنظومات دفاع جوي متطوّرة، من طرازي باتريوت - باك، وثاد. كما طالبوا بدعم مالي كبير لتحديث قواتهم المسلحة، وخاصة الجوية منها. وتفيد تقارير مختلفة بأن الولايات المتحدة طرحت على وارسو دعماً مالياً مجملاً قدره مئتا مليون دولار، فلم يكن من البولنديين إلا أن قاموا بضرب هذا الرقم في مئة، مطالبين بعشرين مليار دولار، كثمن لنصب الصواريخ الاعتراضية فوق أراضيهم. وقد رفض الأمريكيون الطلب البولندي على نحو مباشر، واعتبروه غير واقعي وغير قابل للتطبيق. وانتهى الأمر بالأمريكيين للتلميح إلى وارسو باللجوء إلى ليتوانيا كبديل عنهم. وهنا غضب البولنديون، وسارعوا لإفشاء "السر الأمريكي" على لسان نائب وزير خارجيتهم فيتولد فاشيكوفسكي، وكان ذلك في الثامن عشر من حزيران يونيو الماضي، حيث قال فاشيكوفسكي "بوسعي تأكيد أن الولايات المتحدة تجري مفاوضات مع ليتوانيا. وعرض هذا وزير دفاع ليتوانيا نفسه في أيار مايو، وأن الجانب البولندي على علم بالأمر".
وما أن أدلى فاشيكوفسكي بحديثه حتى سارعت واشنطن لتعلن على الملأ بأنها تجري مفاوضات مع ليتوانيا، وأن بولندا "لم تفش سراً ولم تقل ما هو جديد". وقال متحدث رسمي أمريكي ان ليتوانيا "تعتبر بديلاً جيداً" لبولندا، وأن الحكومة الليتوانية "مستعدة للنظر في هذا الأمر". وفي موسكو، قال الروس إنهم كانوا على علم بمفاوضات واشنطن السرية مع ليتوانيا. وعقبوا على ذلك بالقول إن الاتفاق المحتمل مع هذه الأخيرة من شأنه أن يضفي مزيداً من التعقيد على المباحثات الروسية الأمريكية بخصوص الدرع الصاروخي. وأشار الروس إلى أن ذلك يعود لسببين: الأول بروتوكولي، يتمثل في أن الإدارة الأمريكية لم تطلعهم رسمياً على المفاوضات الدائرة مع الجانب الليتواني. والثاني تقني، يرتبط بكون المناطق الليتوانية أقرب للعاصمة الروسية موسكو من أي منطقة بولندية محتملة، وإن الفترة التي يستغرقها وصول الصواريخ إلى موسكو من أراضي ليتوانيا هي فترة قصيرة جداً. وعلى الرغم من ذلك، ثمة من يعتقد أن المفاوضات الأمريكية مع ليتوانيا لا تتعدى أن تكون نوعاً من الضغط على البولنديين لدفعهم إلى قبول العرض المقدم من واشنطن، وأن هذه الأخيرة لا يمكن أن تقدم على نصب صواريخ في جمهورية سوفياتية سابقة، إذ أن خطوة كهذه ستنهي كل احتمالات التوافق مع روسيا.
ويمثل الدرع الصاروخي الأمريكي في أوروبا القضية الأكثر توتراً في العلاقات الروسية الأمريكية. وعلى خلفية القضية ذاتها، سارت علاقات موسكو نحو مزيد من التوتر مع كل من براغ ووارسو، على أن التأزم الأكثر وضوحاً هو ذلك الذي يمكن مشاهدته في العلاقات الروسية البولندية، فقد تدهورت هذه العلاقات بعدما انضمت وارسو إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وأصبحت عضواً في الاتحاد الأوروبي، لتبادر وتعترض على توقيع اتفاق جديد للتعاون بين روسيا وأوروبا. ومن القضايا المثارة بين البلدين كذلك اعتراض الروس على قواعد الناتو العسكرية في بولندا، ومشروع خط أنابيب النفط (ءٍقمء) البولندي - البلطيقي، الذي يريده البولنديون بديلاً لمشروع "السيل الشمالي" (خُءُّو سُّءمفٍ) الروسي - الألماني.
وبالعودة إلى المنظومة الأمريكية المضادة للصواريخ، فقد رأى الخبراء الروس أن عناصر هذه المنظومة قد لا تستخدم مجرد صواريخ اعتراضية، إنما هجومية أيضاً، الأمر الذي يشكل "تهديداً حقيقياً" لبلادهم. ويرى هؤلاء أنه في حال إطلاق الصواريخ الهجومية من الأراضي البولندية فلن تتوفر أمام الدفاعات الروسية سوى دقيقتين أو ثلاث لإخطار القيادة العليا، مما يعني صعوبة اتخاذ أي خطوات لمواجهتها. أما فيما يتعلق بالرادار الأمريكي المزمع نصبه في التشيك، فسيكون بمقدوره مراقبة النشاط الجوي والفضائي في كامل الشطر الأوروبي من روسيا. وسيمثل، من وجهة نظر الروس، عيني وأذني الولايات المتحدة على بلادهم. ويذهب هؤلاء إلى القول بأن الولايات المتحدة لن تكتفي في خططها المستقبلية بالعناصر المعلنة من منظومتها المضادة للصواريخ، بل ستدخل عليها مزيداً من التحسينات دون أن تكشف عن ذلك. كما ستعمد مع حلفائها إلى تعزيز مجموعة الطيران الضاربة في المناطق المحيطة بروسيا، وزيادة عدد الصواريخ المجنحة، وإدخال أنظمة سلاح جديدة قد تعجز منظومة الدفاع الجوي الروسية عن اعتراضها.
ويرى الروس أن الهدف الجوهري للدرع الصاروخي الأمريكي يتلخص في إبطال مفعول قوة روسيا الصاروخية النووية بحلول العام 2012- 2015.ويرى هؤلاء أن الحجج والمبررات التي تقدمها الولايات المتحدة لهذا الدرع غير مقنعة، وأن التهديد الذي تشير إليه لا يبدو واضحاً. وحسب التقارير الروسية، فقد قد قدم الروس للأمريكيين "إثباتات" تؤكد أن ليس بحوزة إيران صواريخ يمكنها الوصول إلى أوروبا، وأنه لن يكون بمقدورها امتلاك مثل هذه الصواريخ في المستقبل المنظور. وقال الروس إن الاقتراحات الأمريكية الهادفة لإزالة القلق الروسي لم تتضمن سوى وعود يمكن التخلي عنها، وليس فيها أي تعهدات ملزمة. وقد دونت نقاط الاعتراض الروسية على الدرع الصاروخي الأمريكي في أوروبا في "وثيقة سوتشي" الصادرة في 6نيسان أبريل 2008عن لقاء القمة الذي جمع الرئيسين الأمريكي جورج بوش والروسي (حينها) فلاديمير بوتين.
وقد اقترحت موسكو على واشنطن أن يكون هناك استخدام مشترك روسي أمريكي لكل من محطة الرادار التي يستأجرها الروس في أذربيجان ومحطة الإنذار المبكر التي يجري تشييدها في جنوب روسيا. كما عرض الروس على الولايات المتحدة، في أوائل تموز يوليو 2007، إنشاء مركزين لتبادل المعلومات حول عمليات إطلاق الصواريخ في كل من موسكو وبروكسل، إلا أن واشنطن رفضت كلا المقترحين. وكانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي قد توصلا منذ 36عاماً إلى استنتاج مفاده أن تعزيز الدفاع الاستراتيجي لأحد الأطراف يقلل على نحو ملموس من القدرة الدفاعية للطرف الآخر، ولهذا فرضت معاهدة الدفاع المضاد للصواريخ، التي وقعها البلدان في العام 1972، والبروتوكول الملحق بها في العام 1974، قيوداً شديدة على تطوير وسائل الدفاع الاستراتيجي، كما على خارطة توزيعها الجغرافي.
بيد أن إدارة الرئيس جورج بوش أعلنت منذ بداية ولايتها الأولى عزمها الانسحاب من معاهدة العام 1972، ولم تكن حينها أحداث الحادي عشر من أيلول سبتمبر قد حدثت بعد. وقد أولد هذا التطوّر ما يمكن وصفه بأكثر الأزمات حدة في العلاقات الروسية - الأمريكية منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، إذ كان ينظر لاتفاقية العام 1972باعتبارها حجر الأساس في حفظ التكافؤ بين القدرات الصاروخية والنووية للقوتين الروسية والأمريكية. وهناك نوعان من منظومات الدفاع المضاد للصواريخ: الأول، منظومة مسرح العمليات العسكرية، التي تقام بهدف حماية هذا المسرح من ضربات الصواريخ التكتيكية - العملياتية، التي يتراوح مداها بين 700و 800كلم. والنوع الثاني هو المنظومة التي تغطي أراضي الدولة (وهي هنا الولايات المتحدة وحلفاؤها) وتهدف لمقاومة الصواريخ الباليستية المتوسطة المدى والعابرة للقارات. وهنا تحديداً يكمن الخلاف الروسي الأمريكي.
ولا تشمل الصواريخ الاعتراضية الأمريكية المقرر وضعها في شرق أوروبا على مواد متفجرة، بل تعمل على تدمير الصواريخ المهاجمة عبر طاقة الحركة، حيث يتحرك الصاروخ الاعتراضي بسرعة تبلغ نحو 23ألف كيلومتر في الساعة ويقوم بتحطيم الصاروخ المهاجم عند الاصطدام به. إلا أن المعارضين للدرع الصاروخي الأمريكي لا يستبعدون تضمين الولايات المتحدة له بصواريخ هجومية دون الإفصاح عن ذلك. وهناك بُعد جديد لم يكن متداولاً من ذي قبل في قضية الدرع الأمريكي، الذي تم طرحه في العهد الأول من رئاسة بوش، وهو البعد الفضائي. وحسب وين آلارد، رئيس "كتلة الفضاء" في مجلس الشيوخ الأمريكي، فإن المرحلة التالية من منظومة الدفاع المضاد للصواريخ ستتضمن نشر أقمار صناعية على مدار حول الأرض مزودة بصواريخ اعتراضية. وكانت الولايات المتحدة قد تبنت هذا العام برنامجاً للرادارات المنصوبة على الأقمار الصناعية يستهدف تأمين المراقبة الدائمة للأنظمة الصاروخية الجوالة، وذلك بغض النظر عن الظروف الجوية ودرجة الإضاءة على النطاق العالمي، باستثناء المناطق الواقعة فوق 65درجة من خطي العرض الشمالي والجنوبي. ويفترض هذا البرنامج إطلاق 21قمراً صناعياً إلى المدار خلال الفترة بين 2015-
2020.وما يمكن قوله خلاصة هو أننا بصدد منظومة دفاع صاروخي متعاظمة في تحدياتها التقنية، بقدر تعاظم تحدياتها السياسية، وانعكاساتها واسعة النطاق على التوازن الاستراتيجي العالمي، واستتباعاً صورة النظام الدولي.
1
س/ من يربح الدرع الصاروخي؟
ج/ أحمدي نجاد
07:06 صباحاً 2008/07/18
ابلغ عن هذه المشاركة
التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له