لم تفلح موجة الغلاء وارتفاع الأسعار، وتحديدا أسعار الأرز في هزيمة أو زعزعة نظام ولائم الأفراح، التي أفرزتها الطفرة الأولى كمتغير اجتماعي ناجم عن ظرف اقتصادي استثنائي.. فالمطابخ والمسالخ لا تزال في مثل هذا الوقت الساخن تعمل بكامل طاقتها، والحبل على الجرار.
وما كان متغيرا اجتماعيا في السابق، أصبح تقليدا وعرفا راسخا بين الناس لا يجوز المساس به، لينضاف إلى قائمة طويلة من التعقيدات التي نكبل بها حياتنا يوما بعد آخر، رغم كل ما نمارسه من نقد ذاتي لها في خلواتنا، لكننا مع هذا نصرّ على ارتكابه، لا يختلف في هذا الغني ولا الفقير، المتعلم والجاهل، المثقف وقليل الثقافة.
نتراكض كل مساء طوال فصل الصيف بين قصور الأفراح، لنلعب دورنا الأحمق في هذه الزفة المهلكة، التي نسميها في بطاقات الدعوة فرحا، في حين أنها ليست أكثر من فخ يُنصب كل ليلة لعروسين شابين للإيقاع بهما منذ عقد القران تحت طائلة الديون، في إطار مسلسل ترتيبات الفرح الماسخ، الذي تمسك فيه النسوة بزمام الأمور، عبر مسابقات التميز الشكلي الذي ما يلبث أن ينفجر كفقاعة صابون بمجرد خروج آخر المعازيم.
نكتب في بطاقات الدعوة التي تطبع على أفخر وأثمن أنواع الورق، والموشاة بعروق الذهب وحواشي الدانتيل (ندعوكم لفرحنا أيها الناس) ونرسلها لما لا يقل عن ألف مدعو وكأننا ندعوهم لكارنفال جماهيري، وليس لحفلة عرس نرجو له الثبات والنبات، وحين يحضر الناس لا يحضر الفرح لأنه الغائب الوحيد عن هذه المناسبات، يحضرون بعطورهم ليخفوا رائحة امتعاضهم، ويحضرون بابتساماتهم الصفراء ليخفوا سخطهم مما يجري باسم الفرح، ويحضرون بقبلهم السريعة ليهربوا من طقوس هذا العنوان الفج الذي يذبح فيه الفرح أول ما يُذبح في بيت العروسين.
تجلس في قاعة الفرح، فيجلس إلى جانبك رجل تعرفه بسيماه أو لا تكاد تعرفه، يبدأ حديثه معك بكيل آلاف اللعنات على هذه الأفراح المزيفة، وبأنه ملتزم بحضور أكثر من زواج لكنه لا يعرف كيف يخرج، فقط لأنه يستحي، وحين تُتاح له أول فرصة للتسلل فإنه لن يوفرها للهروب، كطائر زينة تحرر من القفص!.
تشعر أنك تعيش في مسرح أقنعة، أو في حفلة تنكرية لا تختفي فيها الوجوه لكنها تتنكر خلف حضورها وابتساماتها المصطنعة.
أنا أستطيع أن أتفهم أن تذهب إلى اجتماع عمل لا تحبه، لكني لا أستطيع أن أتفهم أبدا أن تذهب تحت عنوان الفرح ببسمة مزيفة فقط لتسجل حضورك في دفتر النفاق الاجتماعي في مكان هو الأجدر بمصادرة الأفراح.
أسألكم بالله : مالفرق بين لقاءات المقبرة، ولقاءات القصور غير تبدّل العبارات والمكان؟.. ألا يُعبّر هذا عن حالة مرض اجتماعي؟... لكم الإجابة.