رسالة الإسلام.. ورجل السلام..
جمع وفود العالم الإسلامي من أجل الفصل بين جوهر الدين وخلاف المذاهب، محاولاً أن يقف على مواقع الخلل في مكاشفة ينسى فيها أصحاب العلاقة الواحدة أن هذا الدين لم يكن وسيلة تفريق وإنما جامع للشعوب والأمم وصانع حضارة عظمى..
وقد قدم، قبل ذلك، مشروع سلام بين العرب وإسرائيل تبنته كل دول الجامعة العربية، ووضع أمام العالم كطريق وحيد للفصل بين الخلافات، ولكنه تعثر لأن إسرائيل لا تريد أن تجابه أمة، وإنما دول وأفراد كل توقع معه سلاماً منفرداً، ثم ذهب لكل أصحاب الأديان والعقائد والثقافات، وخاطبهم بروح المحبة والمسؤولية، ولأول مرة من نوعه بما تقدم به خادم حرمين شريفين، وقائد وطن رائد في التطلع للعيش والتقدم بدون حروب وسباق تسلح، وتطرف..
الملك عبدالله نموذج الرجل الذي يطل على العالم بقيم موروثه الثقافي وسماحة عقيدته، وحين يتقدم هذه الصفوف في أول تفاهم من نوعه، لم يحاول تسييس موقف بلده أو يريد الشهرة والتظاهر أمام جموع شعوب العالم بالحصول على لقب أو جائزة كبرى أو صغرى، أو دفاع عن موقف، أو تكفير ذنب، وإنما ذهب وهو مسلح بإيمان الرجل ذي المسؤولية الكبرى، وحامل راية واحد من أكبر تجمعات الأديان في العالم، ولم يذهب مجازفاً رغم علمه أن خط المعارضة عند المتشددين في كل الأديان سوق يطرح الشكوك ويذهب إلى خطوط النار بدلاً من حمل غصن الزيتون، ومع ذلك جاء الاجتماع ممثلاً لأصحاب الملل والنحل دون قيود على ما سوف يلقونه من أسئلة، أو الرد عليها بأجوبة مقبولة أو مرفوضة، لأن العنوان ذاته يحمل بيان التحاور بدلاً من التحارب..
في مدريد وأمام مشهد عالمي، حمل كلمات السلام ونية السلام بأننا مخلوقات متساوية في المثل والعقل، وعبادة الإله الواحد، وأن معاني الإنسانية تتسع للعيش بقيم روحية عالية أمام مد يريد إعادة الإنسان إلى حظيرة الحيوان بغرائزه وانفلات أخلاقه، وهذا الرجل الذي حمل تاريخ ما يزيد على أربعة عشر قرناً من عظمة وسماحة دينه، يريد أن يباشر باسم هذا التراث العظيم بأن يقدم للعالم معنى أن نبدأ الخطوة الأولى في الطريق المتعرج والصعب..
ومثلما عاش أصحاب الديانات السماوية، والعقائد، وحاملو ثقافة أوطانهم بأس الحروب وتدميرها، وإضافتها لترسيخ عداوات تحولت إلى عقائد وسلوك، يريد أن يرى عالماً تسوده المحبة، والمفاضلة بين تعايش الأديان أو صراعها، أو تباين الثقافات والأعراق وانتسابها لآدم أبو البشر كمخلوقات واحدة، أو ديمومة عدائها..
هذا النموذج من القيادات ذات المسؤوليات العظمى والرسالات الإنسانية الخلاقة لم يخرج من بلده بهذه الدعوة مستجدياً عواطف، أو مشاعر تظهر وتغيب، وإنما جاء ليقول إن هذا الكوكب يتسع لنا جميعاً بشروط صدق النوايا والمبادئ، وجعل الفضيلة والتساوي بالحقوق منهجاً إنسانياً يحرر الإنسان من قيد العنصرية والتعصب المذهبي والقومي، أو تمايز الشعوب عن بعضها وهي مخلوقات الله العظمى التي وحدها منحها العقل والتفكير والتصرف بحس المسؤولية.
الملك عبدالله المتواضع بسلوكه والمتقشف بحياته، يقدم للعالم نموذج الإنسان منطلقاً من بلد الأنبياء وأرض السلام، من أجل الحياة بسلام..