يقول الشاعر صاحب القلب الكبير عام 1956وهو في الثامنة عشرة من عمره:
لو كان لي ألف ذراع
لو كان لي ألف قدم،
لضممت الأرض إلى صدري
وأغمضت عينيَ في شغف.
يقولها وهو يدرك أن الحياة هبة المولى للإنسان وأن عليه مسؤلية عمارة الأرض ونشر الحب والسلام فيها. ويقول في عام 1964وهو يخطو إلى الثلاثين:
ولماذا نكدّ ونكدح
والأهراءُ بالقمح مكتظة،
والعصفور
متخم من لقط الحبوب،
فلماذا بالله نقرع الطبول؟!
والسَّمنُ في القدور،
أما الكروم
فهي محفوظةٌ ومثلَّجة،
فلماذا بالله ننفخ البوقء؟!
وفي الصباح
حينما نسير في جنازة الحياة،
تكون الأضواءُ حمراءَ وخضراءَ وصفراءء
فنمرح ونمزح ثم ننام في الشِّق،
فلماذا بالله نُشعل النار؟!
نظم الشاعر المفكر هذه الأبيات في السنة التي حصل فيها على الماجستير من جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية. نظمها وهو يرى الدولة التي يدرس فيها مترعة بالخير الوفير، ومع ذلك يرى الحياة قد خبت فيها! ثم يقول الشاعر في عام
1973ولِم الحديث
إن كانت الكلمات أحجاراً
ملساء مثل الحصى؟!
ولِم الحديث
إن كانت الكلمات لا تفيض مثل النبع
ولا تنساب مثل نهر دافىء
يلامس أوراق الشجر،
كما في قصائد الشعراء؟!
ولِم الحديث
إن كانت الكلمات جلاميد ثلج تسحق الفؤاد
فيصيبه البَكَم؟!
وحينما أنشبت أظافري في فخذي
وفي فَخذِك
أبحث عن عروق الذهب،
لم أجد إلا عظام الموتى
وتراب الزمن!
وحينما هُرعت إلى بُرجيَ العاجيِّ
أبحث في المعاجم والمجلدات
وأسأل الحكماء والفلاسفة
ولدت المقاطع ضريرة .. يا عيني!
فلِم الحديث؟!
لقد سجّل الشاعر الذي حصل عام 1969على الدكتوراه في الأدب الانجليزي المقارن هذه الأبيات بعد أن نشر كتابه: "نهاية التاريخ: مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيوني" (1972) الذي صدر قبل أن ينشر فرانسيس فوكوياما كتابه الذي يحمل نفس العنوان الرئيسي بثمانية وعشرين عاماّ. سجّل الأبيات وهو يرى الألسن والأقلام ملجومة لا تقوى على دفق الكلمات التي تتحول في الصدور إلى أحجار. وعلى الرغم من إحساسه بالكبت يقول بتفاؤل في عام
1974يأتونني كلّ ليلةٍ
بعد أن أهجع إلى فراشي
بعيونهم البرّاقة
ولحاهم المدببة
تلك الوجوه العربيّة القديمة الوضَّاءة.
حينئذٍ
احملني بجناحيك القويين
يا طائر أفراح المستقبل.
ربما كان حينها يكتب كتابيه: "موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية: رؤية نقدية"(1975) وَ "العنصرية الصهيونية " (1975). ويقول في نفس العام:
ألمح العيونَ السوداءَ
والأيادي الناعمة البيضاء
التي ستعانقني حينما أصل إلى مدينة الله.
وأرى أيدي الأخطبوط تعصرني
وتقودني إلى النبع الأسود،
وعقارب الساعة تدور .. تعصر قلبي.
وطويلٌ هو الطريق المؤدي إلى خارجَ الجحيم،
مُمِلٌّ كالأحاديث العادية.
وفي عام 1987، وعند اقترابه من سن الخمسين، وبعد ان كَتَبَ: "الأيديولوجيّة الصهيونيّة: دراسة حالة في علم اجتماع المعرفة" (1981)، وكَتَبَ: "الانتفاضة الفلسطينية والأزمة الصهيونية: دراسة في الإدراك والكرامة" (1987) يقول:
لم تبقَ سوى شُرءفةٍ صغيرةٍ في القلب
تُطلُّ على أرض الألوانِ والأشواقِ والزيتونِ والزعتر.
فلنحءلُم طيلةَ العام إذن
مثلَ جدول عنيد تحرقه الشمسُ الضارية،
ولكنه يظلُّ يا عيني يجري ويجري
بين الصخور والرمال العطشَى
حتى يصلَ إلى الأرض النديّةِ الخضراء
التي تغرِّد فيها طيورُ الجنة الملونة
طيلة العام .. طيلة العام
"فبأي آلاء ربكما تكذبان؟".
وفي نفس العام يزرع التفاؤل على الرغم من الاحساس بالفشل:
جاءنا ملاك طيّبٌ عجوز
خفق قلبه مرّة في الزمان القديم،
وبعيونٍ لا تعرف الحزنَ أو الدهشة
فتح كتابَنا ..
رَنَا إلى صفحاته لحظة ..
نظر إلينا ثم أغلقه.
أغلقه، يا عزيزتي، وابتسم
ثم رفرف .. عائداً إلى أرض السكينة!
ويتأمل في حال الأمّة عام 1988قائلاً:
حينما يقف المحبونَ في لحظة الفراق
عند سفح جبل في ليلة عاصفة،
أو في بستان أخضرَ في ليلةٍ يتوِّجها القمر،
أو أمامَ خليجٍ أزرقَ صغير عند غروب الشمس،
فإنهم عادةً ما يشبِّكون الأيدي
ويتنهدون، ويتبادلون الوعودَ والزهورَ الملوَّنة
ثم يَسءفَحون الدمع ساخناً،
فتضحك من وعودهم الملائكةُ والنجوم
آهٍ .. وتجف الدموع، ثم تَذءبُل الزهور!
أما نحن ..
فلأننا نتحلَّى بهدوء الفلاسفة وصف اء أذهانهم
فإننا لا نبكي، لا .. ولا يُمِضُّنا الجَوَى،
بل نذهب للمعاجم ودواوين الشعر
ونُهءرَعُ إلى أسفارِ الحكمة القديمةِ
نبحث عن معنى الكلمات سويا :
الدالِّ بالمدلول،
عن كُنءهِ الصور المجازية،
عن سرِّ الله في الإنسان،
ثم نثرثر عن الألوان والألحان .. والأحزان والثورة!
لكلِّ هذا، حينما أسافر .. لن أذكركِ
إلا في المناسبات القليلة التالية:
حينما يدق جرس التليفون،
أو أحتسي قهوةً عربيةً دون سكَّر.
حينما أغمسُ الخبزَ في الزَّعءتَر،
أو أمرُّ على حقول النَّعءناع والنَّرءجِس.
حينما يُنشِد المنشدونَ أغانيهم،
أو يتلو الشعراءُ قصائدَهم.
حينما أفتحُ نافذةَ غرفتي كي أرى غروب الشمس
أو أسمعُ نغمةً متوترةً حزينةً تغيب وراء السحب.
ساعتها .. سأذكُركِ،
وسأبتلعُ حزني في هدوء الفلاسفة،
ثم سأبحث وحدي، عبثاً، عن معنى الكلمات!
ويتوالى فيضه، قصائد ودراسات وكتب، فبعدها بحوالي تسع سنوات يصدر: "موسوعة تاريخ الصهيونيّة" (1997)، وَ "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية" (1999). ثم يبدأ من عام 1999وحتى عام 2003في الكتابة للصغار بعد أن أرهقه صمم الكبار! ثم ينتقل إلى الرفيق الأعلى هذا العام.
هذا هو، الأستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيري، القامة الفكرية والذائقة الأدبية، وهؤلاء هم نحن، لا نلتفت ولا نحفل ولا نحتفي حتى يفارقنا المبدع!
@ جميع القصائد مختارة من ديوان: "أغاني الخبرة والحيرة والبراءة: سيرة ذاتية شبه موضوعيّة" (2004) تأليف الأستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيري.
shaloboudi@hotmail.com