الشاعر الذي يقول ويتحدث عن الشعر وفنه ليس محاضرا أو معلما يلقي دروسا ولكن لنتصوره أشبه بالفنان التشكيلي الذي يمزج الألوان بذوق واحترافية راقية تصافح أعين الزائرين روائعه، فهو عندما يحاول الحديث باستفاضة عن منجزاته الإبداعية فإنه في حقيقته يتحدث عن الذات المتورمة في داخله بفعل أنوية مالكة لمسيرته منذ نعومة اظفاره وفي محاولاته التعرف على الحياة والكون من حوله في عملية التأمل التي تتأتى مبكرة لأصحاب المواهب الذين تكون لديهم الاستعدادات الفطرية سباقة لمحاولة الإعلان عن مكنون لا يمكن أن يستريح ويستكين في موقعه، إذ أن بذرة التمرد سرعان ماتنمو معلنة عن مكانها مهما كانت الظروف المحيطة بها مستهينة بكل شيء سوى أن تبوح وتنبئ بما تود قوله بسهولة ووضوح للوصول الى الآخر في مايماثل النرجسية لمعرفة ردة الفعل لما فعل (=فعله هو) وفي هذا الترقب كشف له بأنه كان يتحدث عن الآخرين هم/أنت من خلال اناه التي قامت في أساسها على متكأ مبدأ المشاركة الوجدانية قسرا وليس طوعا، لأن الفنان بطبعه المطبوع عليه كفنان يعيش للإنسان ومن أجله، فهو يعمل لنفسه في الظاهر ولكنه في عمقه يدور في فلك الإنسان في عمل إنساني محض يتمثل في منجزه المقابل للناس حيث يكون تفاعلهم معه هو المؤشر الحقيقي لمدى التقبل والرضا لما قدم ويقدم و يحدد ذلك المساحة التي يستولي عليها عمله ومدى استيعابه وسرعة توغله وتغلغله في الآماد القريبة والبعيدة، هو يقول عن الثاني ولكنه يؤكد في حديثه حبه لأعمال الاخرين التي لقيت هوى في نفسه وكونت بؤرة أساسية في منجزه الفني المتمثل في حفظ وترديد القصائد ومعاودة قراءتها ومع امنيته تمثلها فهو يعمد الى تجاوزها ومد مساحات أوسع ليعلن للملأ أنه يعطي عطاءه الخاص وليس ماكان من فعل الآخرين مما يؤدي الى إضفاء الخاصية على العمل في تكامله المستمد من السابق بعد الصهر في بوتقة الذات.
فالشاعر يشير دوما الى مافي الكون من مكونات ومكنونات وفي جماليته التي كسبها كمبدع يمور في حدسه يومئ بطريقة ما الى الكينونة، إذ الشعر هنا وبهذا المفهوم ليس الا(التقويم) فإنه هو الأمثل والأجمل للإنسان المحب لذاته الممتد في كافة المحيط الإنساني الكبير في شخصية الشاعر المعجب بنفسه وأمنيته بأن يسمع صوته الآخر بالطريقة التي يريدها هو وليس الآخر.