عندما وصل بورخيس الى جامعة هارفرد في خريف 1967كمحاضر زائر ليلقي سلسلة محاضرات عن الشعر، كان ينظر إليه منذ زمن طويل على أنه رأسمال ثمين، ولكنه قال عن نفسه في تلك المحاضرات إنه رجل مغمور، نوع من "الرجل غير المرئي" في بلاده.. أما معاصروه الأميركيون فكانوا واثقين من أنه أحد الأسماء المكرسة للبقاء طويلا على مر السنين.
وعلى الرغم من مرور ثلث قرن على تلك المحاضرات، فإنها مازالت قوية صامدة عصية على النسيان، وسبب قوتها هو احتواؤها على جوهر تجربة بورخيس الذي يعتبر أحد القلاع الأدبية الشامخة في القرن العشرين، وفي احدى هذه المحاضرات يعرض بورخيس للمحات عن سيرته الأدبية. وفي ما رواه عن هذه السيرة ما يستحق التوقف عنده وتأمله.
يعتبر بورخيس ان كل النظريات الشعرية مجرد أدوات لكتابة القصيدة، وقد اعترف بأن لديه ما يمكن تسميته "بمقعد الشاعر"، الا أنه معتقد متذبذب. "وربما يكون هذا المعتقد صالحاً لي، ولكن من الصعب أن ينفع آخرين".
ويعتبر نفسه قارئاً في الأساس. ولكنه تجرأ، كما يقول، على الكتابة. ولكن ما قرأه أهم بكثير بكثير مما كتبه. فالمرء يقرأ ما يرغب فيه، لكنه لا يكتب ما يرغب فيه، وانما ما يستطيعه.
ويقول إن الحدث المركزي في حياته، كان وجود الكلمات، وامكانية حياكة هذه الكلمات وتحويلها إلى شعر، وقد بدأ مثل معظم الشباب بالاعتقاد أن الشعر الحر هو أسهل من الأشكال المقيدة الى القواعد، ولكنه تأكد مع الوقت من أن بيت الشعر الحر أصعب بكثير من الاشكال الموزونة والكلاسيكية التقليدية. ودليله على ذلك أن الأدب يبدأ بالشعر "افترض ان التفسير يمكن أن يكون في أنه ما أن يتم اقرار قالب معين، لا يبقى إلا تكراره. أما إذا جرّب النثر، فعندئذ لا بد من قالب أكثر رشاقة وخفة. إن الشعر الحر أشد صعوبة من الشعر الكلاسيكي".
ومما ذكره في محاضراته أن أسلوب الصنعة المنمقة الذي يتوسله بعض الأدباء هو خطأ لأنه علامة غرور، كما يورد رأيه بما يسمّى بالحداثة. يقول: "نحن حديثون بفعل الواقع البسيط في أننا نعيش في الزمن الحاضر. لم يكتشف أحد بعد فن العيش في الماضي. وحتى المستقبليون لم يكتشفوا سر العيش على المستقبل.
إننا حديثون، شئنا ذلك، أو أبيناه، وربما كان واقع حداثتي بحد ذاته هو طريقة في كوني حديثا".
أما ما الذي يعني بالنسبة له أن يكون كاتباً، فهو وببساطة أن يكون مخلصا لمخيلته، وأن يكون مخلصاً للأحلام وليس للظروف". لاشك أن هناك في قصصي ظروفاً وأحداثاً حقيقية، ولكن - ولسبب ما - اعتقدت أن هذه الظروف يجب أن تروى دائماً بجرعة معينة من الكذب. ليست هناك متعة في رواية قصة مثلما حدثت واقعياً. علينا أن نبدّل بعض الأشياء حتى لو بدت لنا تافهة. وان لم نفعل ذلك، فهو يمكن لنا اعتبار أنفسنا فنانين، وإنما ربما محض صحفيين أو مؤرخين".
وإذا كان لابد من توجيه نصيحة إلى كاتب ما، فإنه يقول له ببساطة إن عليه الإقلال قدر الإمكان من تنقيح عمله. "لا أظن أن التنقيح والتهذيب يؤديان إلى أي تحسين. وتصل لحظة يكتشف فيها أحدنا امكاناته: صوته الطبيعي، إيقاعه، ولا أعتقد أن أي تصحيح سطحي سيكون مفيداً عندئذ".
أما عندما يكتب، فهو لا يفكر في القارئ، ولا يفكر في نفسه، ربما لأنه شخصية متخيلة كما يقول، وإنما يفكر في ما يريد اطلاقه، ويفعل ما يستطيعه كي لا يفسده.
وهو لا يؤمن بالتعبير، وإنما بالتلميح، إذ ما هي الكلمات في نهاية المطاف؟ إنها رموز لذكريات مشتركة، وإذا ما استخدم الكاتب كلمة، فلابد أن تكون عند متلقيه تجربة ما حول ما تمثله هذه الكلمة.. وإلا فإن الكلمة لن تعني للمتلقي شيئاً.. "أفكر في أننا نستطيع التلميح فقط.. يمكننا محاولة جعل القارئ يتخيل فقط.. وإذا كان القارئ متيقظاً كغاية، يمكن أن يكفيه تلميحنا البسيط".
ويورد أفكاراً طريفة حول الرواية.. يقول ان كثيرين سألوه لماذا لم يكتب رواية.. الكسل بالطبع هو التفسير الأول.. ولكن هناك تفسيراً آخر عنده.. "أنا لم أقرأ رواية قط دون أن ينتابني احساسي بالملل.. فالرواية تتضمن مادة حشوة، وأظن من خلال معرفتي أنه يمكن لمادة الحشو أن تكون جزءاً جوهرياً من الرواية".
وهو عندما يكتب شيئاً، يحاول ألا يفهمه.. "لا أعتقد أن للذكاء علاقة كبيرة بعمل الكاتب.. أظن أن إحدى خطايا الأدب الحديث هو امتلاك الكثير من الوعي لذاته.. فأنا أعتبر الأدب الفرنسي مثلاً، واحداً من أكبر آداب العالم.. ولكني وجدت نفسي مضطراً إلى التفكير بأن المؤلفين الفرنسيين هم، بصورة عامة، واعون كثيراً لذاتهم ، فأول ما يفعله كاتب فرنسي هو تحديد نفسه، حتى قبل أن يعرف ما الذي سيكتبه".. يقول: "ما الذي سيكتبه مثلاً كاثوليكي مولود في هذه المقاطعة أو تلك، واشتراكي إلى حد ما؟".. أو "كيف علينا أن نكتب بعد الحرب العالمية الثانية؟".. أفترض أن هناك أناساً كثيرين في العالم يثقلون على أنفسهم بمثل هذه المشاكل المخادعة"!.
إما هو فعندما يكتب، فإنه يحاول أن ينسى كل شيء عن نفسه.. "أنسى ظروفي الشخصية.. لا أحاول، مثلما حاولت في إحدى المرات، أن أكون كاتباً أمريكياً جنوبياً، وإنما أحاول نقل الحلم وحسب.. وإذا كان الحلم مشوشاً (وهو يكون كذلك عادة في حالتي)، لا أحاول تجميله، ولا حتى فهمه.. وربما أكون قد أحسنت صنعاً، لأنني كلما قرأت مقالاً عني، أشعر عموماً بالمفاجأة، بالامتنان الكبير للمعاني العميقة التي يستخلصونها من ملاحظاتي هذه الأقرب لأن يُرثى لها. إني أعتبر الأدب نوعاً من التعاون، وهذا يعني أن القارئ يسهم في العمل، يغني الكتاب".
ويصف بورخيس نفسه "بالرجل غير المرئي" ويشكر الناس الذين قرأوه بعناية، ولدرجة أنهم عندما يلقونه يستجوبونه عن قصص كتبها سابقاً ونسيها تماماً.. يسألونه مثلاً: "لماذا يعتصم فلان في قصتك الفلانية بالصمت قبل أن يجيب".. فيتساءل : أي فلان هو المعني؟ ولماذا يعتصم بالصمت؟ فماذا أجيب؟ لكن عليَّ أن أخبرهم بالحقيقة: أن فلاناً يعتصم بالصمت قبل أن يجيب لأن الإنسان عموماً يعتصم بالصمت قبل أن يجيب.. ومع ذلك فإن كل هذه الأمور قد أسعدتني . كثيرون يعجبون بأدبي.. لكني أعتبره خطأً بالغ السخاء!
وفي هذه المحاضرات التي ألقاها بورخيس سنة 1967م في جامعة هارفرد يعرض لقضايا أدبية مختلفة منها الرواية، ومنها الترجمة.
الرواية بنظره آخذة بالاخفاق "كل هذه التجارب في الرواية، وهي شديدة الجرأة (من نوع أوليسيس لجويس) وفيها فكرة تبدلات الزمن مثلاً، وفكرة أن تكون الرواية محكية من قبل شخصيات مختلفة، كلها تتوجه نحو اللحظة التي تشعر فيها بأن الرواية لم تعد ترافقنا.
ولا يمكن بنظره الحكم على الترجمة من خلال الألفاظ، وإن كان من الممكن محاكاتها من خلال الألفاظ.. ولكنها ليست مجرد ألفاظ على الإطلاق.
ومع أنه رجل من القرن التاسع عشر، كما يقول، لكنه متفائل ولديه أمل: "إني أفكر في أن الملحمة ستعود إلينا.. وأظنّ أن الشاعر سيعود ليكون خالقاً من جديد.. أعني أنه سيروي قصة وسيغنيها أيضاً.. ولن نعتبر هذين الأمرين مختلفين، مثلما لا نعتبرهما مختلفين عند هوميروس وفرجيل".
كل هذه الآراء، لبورخيس واردة في كتابة "صنعة الشعر" الصادر حديثاً عن دار المدى بدمشق بترجمة جيدة لصالح علماني.