بحث



الخميس 14 رجب 1429هـ -17 يوليو2008م - العدد 14633

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


قصد الآخر

د.سعد البازعي
    (قال ابن جني: أصل "ق ص د" ومواقعها في كلام العرب الاعتزام والتوجه والنهود والنهوض نحو الشيء ... وقال ابن جني: سمي قصيداً لأنه قصد واعتمد)

"لسان العرب"

تحت هذا العنوان سأتناول عدداً من النصوص الشعرية المختلفة المصادر والمقاصد. أردت بالعنوان أن أثير دلالتين: دلالة الشعر ودلالة الثقافة. دلالة الشعر تأتي من القصد بوصفه مصدر القصيدة، ودلالة الثقافة تأتي من التوجه نحو الآخر. فالقصائد موضوع التناول قصائد تأتي من لغات وثقافات أخرى بعضها عرفته سنين طويلة بفعل الدراسة والتدريس، وبعضها عرفته قارئاً مستكشفاً لأهم وأجمل ما قيل من شعر العالم. "قصد الآخر" هو الاتجاه نحو الآخر، وهو قصيد الآخر، ما قصده الآخر الثقافي، ما أبدعه شعراً وكذلك ما اتجه إليه، كما أنه الاتجاه نحو ذلك الآخر.

إنها قصائد تحمل اختلاف الثقافات، مثلما تحمل اختلاف الشعراء والرؤى والمواقف. ومع اختلاف الثقافات يأتي اختلاف السياقات والجماليات. سنواجه الاختلاف حين نقرأ مفهوم القصيدة في بعض اللغات الأوروبية، مثلما نواجهه في تباين الرؤى تجاه القضايا الكبرى وفي التفاصيل التي تنبثق منها. لكننا سنواجه أيضاً لحمة القرابات الإنسانية وهي تجمع هذا لذاك فتقرب القصيدة من القصيدة والشاعر من الشاعر والقراء بعضهم من بعض.

اختلاف المفهوم الشعري يتضح في تعريف مفردة "قصيدة"، كما تتبناه لغات أوروبية عدة. ففي اللغات المعروفة بالرومانسية، أي لغات أوروبا المحيطة بالبحر المتوسط (وهذا لا علاقة له بالرومانسية في الأدب)، وهي لغات متصلة باللاتينية ومنها باليونانية، في تلك اللغات تشيع مفردة واحدة هي "بويم" أو "بويما"، وقد انتقلت الكلمة نفسها إلى الإنجليزية على الرغم من انتماء الإنجليزية إلى عائلة لغوية أوروبية مختلفة هي اللغات التيوتونية المنتشرة في النصف الشمالي من أوروبا، أي الألمانية والإسكندنافية.

تعود مفردة "بويم" (بويم) poem إلى المفردة اللاتينية واليونانية (بويما) التي تعني "الشيء المصنوع" من فعل "بواين" poiein أي يصنع، يخلق، ومن الطبيعي هنا أن يكون الشاعر هو "الصانع" أو "المبدع". وبهذا تخرج الدلالة الأجنبية عن دلالة المفردة العربية التي تتضمن القصد أو النية ودلالات النهوض. فالشاعر العربي القديم، أي حتى العصر الحديث على الأغلب، لم يكن ينظر إلى نفسه أو ينظر إليه الناس بوصفه صانعاً أو خالقاً، هذا مع العلم بأن الأمر لا يختزل بهذه البساطة، فدلالات الشعر والشاعر ليست مطابقة لدلالات "القصيدة" في جذرها اللغوي. لكن من الواضح أن العربي لم يفكر بالصناعة أو الإبداع والخلق حين وضع كلمة "قصيدة" من "قصد" إلا إذا نظرنا في دلالات "القصد" بمعنى تعمد الفعل بحيث تصبح القصيدة فعلاً متعمداً ومصنوعاً من ثم وليس تلقائياً بالمفهوم الرومانسي، فالتعمد من الصنعة.

غير أن الاختلاف المهم ليس في هذه الجذور اللغوية، لأن المفردات تتحول باكتساب دلالات جديدة، ومن منا يفكر الآن بالدلالات اللغوية القديمة حين يشير إلى "القصيدة"؟ فالطاغي الآن، في الثقافة العالمة أو ثقافة المتعلمين، هو الدلالة التي تحملها الكلمة الأوروبية، أي دلالات الإبداع. الدلالة العربية ربما تكمن في الاستعمال الشعبي التقليدي، أي غير العالم، حين يغيب أو يتوارى مفهوم الإبداع ويحل محله النظر إلى القصيدة والشعر بوصفهما نتاج الوعي الجمعي أو الرؤية الجماعية التي تجعل الناس تؤمن على كلام الشاعر بقولهم "صدق" أو حين يتوقعون نهاية البيت التالي، وحين لا يتوقعون منه مخالفة السائد بل تعزيزه بالكلام الجميل. لكن الموضوع متشعب وطويل ولا أود أن يصرف هذه المقالة وما يليها عن الهدف الأساس وهو النص الشعري بغض النظر عن تسميته. ولذا سأنصرف عن هذه المقدمة العامة إلى ما أنا بصدده أو بقصده.

سأبدأ تجوالي على الضفة الأخرى فأقصد نصاً لشاعر من غيانا على الساحل الشمالي الشرقي لأمريكا الجنوبية والتي تحمل في تاريخها عبئاً ثقيلاً من الاضطهاد الأوروبي متمثلاً بالعبودية والاحتلال، مثلها في ذلك مثل عدد كبير من المناطق المجاورة لاسيما الجزر الواقعة في الكاريبي إلى الجنوب الشرقي من الولايات المتحدة. في تلك المناطق ينحدر السكان من عدة أصول منها إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط ومن الناحية اللغوية تعتبر الإنجليزية في معظم تلك الأماكن ومنها غيانا، اللغة الرسمية، ولكن لغات أخرى تستعمل منها الكريولية.

هذه الخلفية الإثنية والتاريخية مهمة لاستيعاب نص الشاعر واسمه "أرنولد إتوارو" الذي ولد في غيانا عام 1942ثم هاجر إلى كندا عام 1969ونشر له عدد من المجموعات الشعرية بالإضافة إلى دراسات منها كتاب بعنوان "اختراع كندا: نصوص أدبية ومخيلات مهاجرين" (1990). القصيدة موضوع تأملنا عنوانها "وصول" وفيما يلي ترجمة مقاربة لها:

هذا هو المكان

ضع علامة على اسمه

الشوارع التي عليك تذكرها

ثمة أغنيات مهمة هنا

وهي لا تتغنى بك

فيها لست موجوداً

لكن لكي توجد يلزمك أن تحبها

عليك أن تصدقها حين تقول

لا يوجد ضحاياً هنا

المنازل دافئة

ثمة خبز وثمة خمر

بارك نفسك

فقد وصلت

اسمع

المفاتيح تجلجل

الأقفال تقرقع

الأبواب تصفق

صمت

لا أظننا أمام نص شعري كبير، لكنه مشحون دون شك بدلالات مهمة، ثم إنه لا يخلو من جماليات بعضها مما لم تستطع الترجمة نقله. ولعل أهم الدلالات الحاضرة هي مرارة السخرية وحدة المفارقة بدءاً بالعنوان "وصول"، فأي وصول هو هذا الذي ينتهي بجلجلة المفاتيح وقرقعة الأقفال واصطفاق الأبواب ثم الصمت؟ كأننا أمام مسرحية تصل إلى نهايتها ووصول ينتهي إلى ما ليس بوصول، إلى سجن.

في القصيدة مشهد لمهاجر يصل إلى أرض يحلم بها، تماماً كما وصل الآلاف إلى أراضٍ في كل مكان وعدتهم بالخيرات ثم فوجئوا بغير ذلك أو بعكسه. فالمهاجر عليه جملة واجبات للتأقلم مع المكان، تذكر أسماء الأماكن والشوارع، والتعرف على الثقافة ممثلة بالأغنيات التي لا علاقة لها بهذا الراحل ولكنه مطالب بحفظها، فهي أغنيات الآخرين التي تتغنى بهم لا به، ولكن لعل الأمرّ من غيابه عنها كونها تكذب عليه وأن عليه أن يصدقها رغم ذلك، فهي أغانٍ تؤكد أن لا ضحايا في هذا المكان، أنه مكان للدفء والطعام وليس للتضحية بالناس، في حين أن الحقيقة تختلف. صحيح أن الدفء متوفر وكذلك هو الطعام والشراب والمتعة، لكنء هناك فقر أيضاً، فالدفء والعيش الهنيء ليس للشاعر الذي يرى السجن أمامه والذي يرى غيابه عن ثقافة المكان وهويته (الأغاني). وبالطبع فقد لا يكون الشاعر شخصياً هو من يعاني كل ذلك فالقصيدة لا تحدد شخصاً أو فرداً، وإنما تتجه إلى النموذج، إلى أولئك المهاجرين الذين قد ينتهون إلى الفقر أو السجن حيث توقعوا النعيم. ومع ذلك فإن غياب الشاعر - بوصفه مثقفاً ومبدعاً - واضح في الإشارة إلى الاغتراب عن الأغاني، وفي قراره أن يكتب أغانيه الخاصة به، كما تتمثل في قصيدة كهذه. وفي المحصلة النهائية نحن إزاء صورة ساخرة من أحلام المهاجرين إلى أراضٍ ظنوها أراضي الميعاد وتبين أنها عكس ما ظنوا وما أملوا.

أخيراً لعل مما يلفت النظر في النص غياب النقاط عن نهايات الجمل، ولعل الشاعر أراد من ذلك فتح النهايات على المجهول، فليس ثمة وصول هنا، أي أن ترقيم القصيدة يقول غير ما تقوله الكلمات، خاصة العنوان. ولكن هل يعني هذا أن وضع النقاط كان سيضعف من الدلالة أو يغيب عنصراً جمالياً؟ ليس بالضرورة، فعندئذٍ ربما قلنا إن النقاط دلالة على الانتهاء وانطفاء الحلم في سجن أو خيبة أمل، أقول "ربما" فالقراءة النقدية مفتوحة هي الأخرى على احتمالات كثيرة وقد تصل أو لا تصل.

تعليق واحد
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


شكرا دكتور سعد.
القصيدة جميلة..
جمالها يأتي بسبب رمزيتها...
النص المفتوح هو " الصناعة " الحقيقية أو " الخلق " البديع الذي يحتاجه القارئ.
للحظة ما، أصبحت بطلاً للنص.
ثم أدركت أن الإيحاءات السلبية للنص طغت على الإيحاءات الإيجابية فتنحيت بعيداً وتخيلت بطلاً آخر.
هذه النتيجة جاءت بسبب أنني كذبت الأغاني بشأن الضحايا.
تضايقت أيضا من جلجلة المفاتيح وقرقعة الأقفال.
السجن، الحرفي والمجازي، غير بعيد من هذه الإيحاءات.
أما الصمت فيمكن أن يكون سلاحا ذا حدين.
في انتظار قراءات أخرى.


خالد العوض
ابلاغ
12:43 مساءً 2008/07/17


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية