في القرية كان أبو رابح الرجل الذي عاش طيلة السنوات الماضية يداين الناس من خلال تسليم العوض أيا كان هذا العوض بقيمة مؤجلة تسلم في العادة بعد سنة من تاريخ الحصول على العوض.
كان مشهوراً بكلمته المتفائلة "خذ العوض والعوض على الله" ولم يكن جشعاً إلى حد كراهة التعامل معه لكنه لم يكن متساهلاً إلى حد الخسارة أو المماطلة من المدين، إنه يعرف الوقت بالثانية وليس بالدقيقة فحسب، حتى إذا ما انتهى الموعد وحل الأجل جاء على عجل ومعه الأوراق والسجل.
دربهم على الوفاء وتدرب هو على الاستيفاء وصار الجميع في وفاق وصفاء هو اتخذ هذا الأسلوب تجارة لأن جسده لا يقوى على العمل وليس لديه القدرة على متابعة إدارة عمل يتطلب منه الجهد، لكنه يحسب ويكتب ويعرف التقويم ودوران الأيام ومتى يحل القسط.
لكن كان يتحرك في سلع في الغالب لا ينتهي تاريخها بسرعة فهو يعلم أنها ربما كسدت عنده فيما لو بقيت مدة طويلة وهو يعلم أنها بالفعل تبقى مدة طويلة إذ لا تكاد تتغير لأسباب عديدة أهمها أن الكمية كبيرة والعملاء المترددين عليه قليل لذا اتخذ من الهيل والسكر والقهوة وقماش الخام مادة للبيع بالأجل.
لقد حقق من خلال الصفقات ربحاً يكفي طموحه لأن يجمع ثروة، وكان غالبية عملائه من الموظفين الذين يملكون راتباً ثابتاً شهرياً لأنه يجد التعامل معهم أكثر راحة من التعامل مع البدو الرحل الذي يتابع أماكن تواجدهم كل جمعة حيث ينتقل إليهم لتحصيل الديون وقد يجدهم أو لا يجدهم لكنه من المؤكد أنه يثق فيهم فدائرة تحركهم مكشوفة لديه، وكأنه يستخدم جوجل أرث وصورها فلا يعجزه أن يصل إليهم متى ما أراد إنما يجد التسامح وسيلة لدوام واستمرار العمل والتعامل.
والوضع نفسه مع الحضر المزارعين أو أصحاب الحرف والمهن الذين كثيرا ما يعتذرون ويتعذرون بحجة أن الإنتاج رديء مع قلة المحصول أو يرجؤون السداد لشهر آخر وربما تأخرت كثير من حقوقه عن موعد السداد جراء المماطلة أو النسيان أو العجز؟
إنه يتبع سياسة حكيمة في بداية تعامله مع الديون، هذه السياسة اعتمدها بحيث تحافظ على التوازن فلا تغرق العملاء وأيضا عدم توسيع قاعدة المديونين، إنه يؤمن بتحريك الاقتصاد وأن لا يكون هو المركز المهيمن بل ويقيس حجم الانفعالات والغضب والإحباط ورسم المستقبل، لذا فقد وضع لعدد المديونين سقفاً لا يتعدونه إنه يراقب نمو هذا السقف فلا يسمح له بالارتفاع أكثر، إنه يقول: كلما ارتفع السقف صعب الوصول إليه وربما هزته الرياح وصار أكثر قابلية للسقوط، بالإضافة الى قناعته أنه ليس من الضروري التوسع باستمرار فكل شيء له نهاية، كانت سياسته وهو الوحيد في البلدة سياسة حكيمة، يقول في مدوناته حولها، كلما زادت قاعدة المديونين أوشك العجز العام على الظهور والعودة على الدائن بالسخط والمذمة وبالتالي انهيار التناغم المترتب عليه انسيابية تمويل خزينة الدائن بشكل مريح ومربح، وربما وجد التضخم من جراء الديون التي لا يعادلها إنتاج وليس في مقدوره أن يفرغ هذا التضخم، حيث لا يعاونه مؤسسات مالية هناك ولا يشاركه قدرة تتحكم في العملة، إنه يقول: الحجام يفرغ الدم من الجسد كلما تضخم داخله وطغى، لكنني لا أقوى على حجامة الأموال المتضخمة لعدم قدرتي على ذلك، لهذا أبقي التضخم في حدوده الدنيا من خلال قفل حنفية الديون حتى لا يغرق الجميع.
إنه يعتمد على الموارد الثابتة والمتوازنة ولا يحب أن يصيبها أي اهتزاز، لهذا بقي فيما يشبه الجمود، ولكنه يؤمن بأنها حدود وليست جموداً.
لهذا كان يتجنب البحث عن مصادر تمويل بطريقة جشعة متهورة، أو نشر أذرع وأصابع الجشع في جيوب المحتاجين للقروض أو الديون، أو حتى التوسع الموصل للمتاهة التي لا عودة منها إلا على حامل الفقر العام الذي يجعل السقف ينهار على رأسه ورؤوسهم.
ومضت السنين والحال على أحسن ما يرام، ثم جاءت البنوك ونافست صاحبنا في وقت ضعفت فيه سنه واحتاج إلى تجديد خططه وتعددت مصادر الكسب لدى أفراد بلدته، إنهم صاروا موظفين في غالبيتهم وتفوقت عليه تلك البنوك من حيث التوسع والمنافسة وإن كان لا يزال على قناعة أن البنوك تركب سفينة في بحر عميق وتكثر الحمولة التي سوف تغرقها وتغرق كل من ركب فيها معها، لكنه على قناعة أنه لا يملك خطة تمسك بزمام الأمر كله، فموظفو بلده كلهم صاروا يتفلتون من بين يديه ويفرون إلى البنوك، جراء المغريات التي يعرف أنها تضع الأقدام على منزلق الغرق.
إنه لا يزال يفكر ولا يزال يضع قدميه على الصخر، ويحتفظ بخزينته ويخشى أن ينزلق فيساهم في التضخم والغرق.
لقد وضع هذه الأيام على دكانه لوحة كتب عليها:
ليس في سفينتي قوارب للنجاة لأنها لا تغرق أبداً كما لا تنفع قوارب النجاة في سفينتكم لأنه لا ساحل أمامها تحياتي للجميع.
1
الله يستر
الحقيقه زادت علينا ديون البنوك واكثر الطبقه الوسطى مديونين للبنوك ورواتبهم مرهونه لهذه البنوك , والرهن العقاري قادم ويحمل الثير من المخاطر على تلك الطبقه التي تراجعت الى الوراء عدة خطوات وبدأت تُاكل بشراهه من البنوك الجشعه والجهات الحكوميه المسؤله عن الشؤن الماليه في سبات وروتين عميقين.
تحيتي للأُستاذ ناصر الحميضي
ابو عبدالله
عبدالرحمن الحبيب - زائر
10:17 مساءً 2008/07/17