الرئيسية > الرياض الاقتصادي

صورة جماعية.. مقابل "سطل بوية" و"فنيلة علاقي"..!!


طراد الأسمري

قد أك،ن قاسيا في ما سيلي، ولكنني على ثقة بأننا بحاجة الى هذه القسوة لدحر ما هو أقسى. وخصوصا اذا ما كان الحديث عن الفقر بقسوته وقسوته المتنفعين منه والمتاجرين بهموم وآلام الفقراء، ولكنها الحقيقة التي لابد من ان نفتح الملف الأهم فيها وهو "العمل التطوعي" الذي شكل على مر العصور ممارسة حضارية ركائزها الصدق والبناء ولا شيء غيره، ولكن ما يحدث مؤخراً من تسابق من بينهم و"بعض مقدمي نشرات الاخبار في الفضائيات" وغيرهم من "المترززين" - لا للعموم هنا - على اقتناص الفرص الاعلامية ب "الترز" امام فلاشات الكاميرات في عشش اولئك المحرومين سعيا وراء شهرة "غير مستحقة" في اعمال يدعون انها "تطوعية" وهي في باطنها القاتم لا تعدو كونها أعمالا لاستعراض التطوع في حضور الصحافة وكاميرات التلفزيون، بل تطور الامر الى انتاج منتجات اعلامية "بغيضة" تتمثل في برامج تلفزيونية توثق عدد الخرق البالية التي يوجد بها الاثرياء من فضلاتهم على فقراء اضطرتهم الحاجة الى سكب ماء الوجه ذلة امام عدسات التلفزيون مقابل ثمن بخس لا يتعدى قطعة أثاث رخيصة او "سطل بوية" او خرقة "صالحة للاستهلاك الآدمي" كما يدعون اليها في حملاتهم التطوعية!!. لقد وجد العمل التطوعي ليحترم آدمية الإنسان برباط صادق وعمل حقيقي من الإنسان الى الإنسان وليس مفرزة اعلامية لصناعة النجوم واكتساب الوجاهة على حساب البسطاء وآلامهم.

عن أنس بن مالك ان رجلاً من الانصار أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأله فقال: أما في بيتك شيء؟ قال: بلى: حلس (الحلس: كساء يوضع على ظهر البعير او يفرش في البيت تحت حر الثياب). نلبس بعضه، ونبسط بعضه، وقعب (والقعب: القدح - الإناء). نشرب فيه الماء. قال: ائتني بهما، فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: من يشتري هذين؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهم، وقال: من يزيد على درهم؟ - مرتين أو ثلاثاً - قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاري وقال: اشتر بأحدهما طعاماً وانبذه الى أهلك، واشتر بالآخر قدوماً فائتني به، فشد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عوداً بيده ثم قال له: اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يوماً فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هذا خير لك من أن تجئ المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة. ان المسألة لا تصلح الا لثلاثة: لذي فقر مدقع، او لذي غرم مفظع، او لذي دم موجع. هذه القاعدة التنموية التي سنها محمد صلى الله عليه وسلم هي الأولى بالتطبيق فيما يخص تنمية الفقراء وانتشالهم من دائرة الفقر بعمل مؤسسي واضح وذي هدف تنموي يسمو بالإنسان.

في ذلك الوقت كان الرسول صلى الله عليه وسلم قادراً على منح ذلك الصحافي اكثر من درهمين ولكنه أراد ان تصل الرسالة وان يثبت أركان هذه القاعدة التنموية بانتشال الفقير من دائرة الفقر وفق منهجية البناء الذاتي لتحويل هذا المعوز الى رجل منتج يكسب قوته بنفسه ويضع حداً لعوزه بيده، وهذا ما نحن بحاجة اليه.. الى عمل تطوعي تنموي حقيقي يسهم في تضييق دائرة الفقر لا اتساعها والمتاجرة بها.

محمد صلى الله عليه وسلم تطوع بفكره هنا لهذا المحتاج ورسم له خارطة الطريق كي يصبح إنساناً منتجاً وفاعلاً في مجتمعه، والمؤسف ان الجمعيات الخيرية التي يتجاوز عددها في المملكة أكثر من 400جمعية عملت على الدرهم التالف "درهم الغذاء والكساء" لسنوات طويلة ولم تقتد بما سنه القائد الاول في تطبيق قاعدة "الدرهم التنموي" الذي كان الركيزة هنا، فكانت معادلة العمل الخيري وفق منهجية تلك الجمعيات "أغلبها هنا": هبة من الدولة أو فاعلي الخير تقوم الجمعية بتوزيعها على شكل هبات صغيرة الى المعوزين ثم تذهب تلك الهبات هباءً منثوراً.. والمحصلة النهائية: لا فائدة ولا تنمية.

من يحملون خرقهم البالية الى الفقراء مدججين بكاميرات التلفزيون وفلاشات الصحافة اتاح لهم غياب تلك الجمعيات عن القيام بدورها التنموي الطريق لتحقيق الشهرة بالصعود على أكتاف المعوزين في صورة شبه مكررة من "منتج تطوعي قبيح" تمت صناعته في هوليوود أواخر القرن العشرين بعد ان نهج بعض نجومها الذين خفتت عنهم أضواء الشهرة "نهج العمل التطوعي الاستعراضي" فاتجهوا الى التقاط الصور في أدغال الفقر والتبجح بها على أغلفة المجلات لنيل شهرة أكثر تعاطفا في عمل لا يقدم ولا يؤخر بل يزيد المعوز عوزاً ويرسخ مفهوم الطبقية المنتنة بين الفقراء والاغنياء بصورة أشد قبحا مما هي عليه.

ما نحن في حاجة اليه هو تنظيم العمل التطوعي وفق منهجية وثقافة تنموية حقيقية واتاحة الفرصة بالمزيد من التشريعات أمام المؤسسات الاقتصادية للقيام بدورها التنموي داخل المجتمع من خلال برامج ومشاريع المسؤولية الاجتماعية وتحويل الجمعيات الخيرية الى جمعيات تنموية تسهم في اجتثاث الفقر من جذوره بدلا من ترسيخ ثقافة "الطبطبة" وسد الطريق امام من حملوا على عاتقهم نيل "الوجاهة" ب "إبر الخرق البالية" و"الاثاث المستخدم" الذي لا يبني ولا يغني من فقر.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 4

  • 1
    بارك الله فيك والله يرحم حالنا وحال الفقراء من امتنا

    زياد الحنيني - زائر

    05:34 صباحاً 2008/07/17


  • 2
    فعلا وش اللي قدمته الجمعيات الخيرية ودخلها بالمليارات سنويا لو بس ربع الجمعيات هذي طبقت اللي سواه عبداللطيف جميل في مشاريعه كان وضع الناس مختلف الف مره

    سلطان - زائر

    09:21 صباحاً 2008/07/17


  • 3
    اللهم صلي على معلم البشرية محمد بن عبدالله عليه افضل الصلاة واتم التسليم 00 هكذا يكون التعليم باللين والتوجيه بالنصيحه
    اللهم ارني وجه نبيك محمد واجمعنا به عند الحوض يارب العالمين

    فهد همام - زائر

    09:40 صباحاً 2008/07/17


  • 4
    اللهم صلي وسلم لى معلم البشرية ورسولها محمد عليه افضل الصلاة والتسليم
    احييك اخي الكريم هذا الطرح وهذه المقارنة الجميلة وهي بكل تأكيد لو تم تطبيق ماعلمنا اياه المعلم الاول لصلحت الكثير من الامور
    فعلا الجمعيات الخيرية تحتاج الى غربلة واعادة تأهيل لكي تتمكن من القيام بدورها.
    وفقك الله

    فهد البشيري - زائر

    12:46 مساءً 2008/07/17



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة