جيوب تنزف، ومفاصل تئن، وثقافة حاتمية تدفع المجتمع المقبل على الحياة إلى صرف مبالغ تقصم الظهور.
ومع بدء موسم الصيف تتزايد المناسبات والولائم التي يرتفع معها الضغط على تيار الكهرباء، والمياه، والدم لدى أصحاب الديون، وخصوصاً ذوي الدخل المحدود.
المهر الميسر مع تكاليف العشاء والحفل للرجال والنساء وقصر الأفراح خلافاً لمن يقيم العرضة ويتكبد عناء دفع مبالغ كسوة شعراء المديح وصناع الثناء على كرم المضياف خلافاً لفرق العزف والإيقاع، والطقاقات ليصل إجمالي التكاليف إلى 150ألف ريال!!، ومن ثم يخرج العريس حتماً من قفص الزوجية، إلى قفص الديون والهموم التي تنعكس على فشل الحياة الزوجية.
والد أحد العرسان وهو الشيخ سراج بن يحيى الكناني داعية معروف بالمنطقة استشهد بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "شر الطعام طعام الوليم يُدعى إليها الأغنياء ويُترك المساكين" رواه البخاري ومسلم..
وقال إنه لا يحضر في معظم هذه المناسبات ليس لعدم تلبية الدعوة، وإنما لإدراكه التام كما يقول: بما في هذه الاحتفالات والمناسبات من مبالغة وتبذير ومباهاة وإسراف لا ينبغي دعمها بالحضور والمشاركة وأن المدعوين يحضرون في الغالب متثاقلين ومن منطلق المجاملة،والبعض منهم يحضر خمس أو عشر دقائق ليريهم أنه حضر من باب المجاملة ثم يذهب دون أن يتناول طعام العشاء، ولو أن الاحتفال يقتصر على أقرباء الزوجين لقلت التكاليف والديون ونتوقع أنه سيأتي اليوم الذي يعي فيه الناس مثل هذه الأمور.
وفيما يتعلق بالرفد يقول الشيخ سراج أنه مثل المداينة، حيث يأخذ والد العريس أو العريس نفسه مبالغ من المدعوين وعليه أن يقوم بردها لكل شخص وأن لم يردها فلن يسلم من الألسن، وهذا يسبب البغضاء والكراهية وليس في الدين الإسلامي بل أنه أمر غير مستحب وفي سؤال ل "الرياض" للشيخ سراج كونه والد العريس وأنه أولم وليمة ضخمة تخالف ما يقول، حيث إنها لم تكن مختصرة كما ذكر، فقال: إن عدد الحضور كبير وعادات الناس في هذه المنطقة تنتقص من يدعو للترشيد وتقليص النفقات وترى أنه بخيل، ولكن سنسعى ببذل كل ما نستطيع على منابر الدعوة إلى حث الناس وتغيير مفاهيمهم بالتدريج تأسياً بالمصطفى صلى الله عليه وسلم في دعوته، علماً أن أبنائي هم الذين قاموا بتوزيع كروت الدعوة وكنت أتمنى أن تقتصر على عدد من الأقرباء فقط كما انهم تولوا القيام بإحضار الوليمة وبالغوا وأسرفوا في ذلك وندعو لهم بالهداية والتوفيق ونسأل الله أن يتجاوز عنا في ذلك وأؤكد لك أنني لو كنت على علم عن ما قام به أبنائي في هذه الوليمة من مبالغة لما حضرتها أسوة بالناس، ولكن هذا ما حدث وسأبدأ بإرشادهم أولاً بإذن الله بحيث أنها لن تتكرر بمشيئة الله هذه الأخطاء.
كما قامت "الرياض" بجولة لنقل واقع بعض المناسبات والأفراح واستطلاع آراء الناس وخصوصاً كبار السن الذين باتوا يعيشون عزلتهم الثقافية، رغم أنهم يجهدون انفسهم بحثاً عن تراثهم الأصيل وهويتهم ليجدوا أنفسهم، في هذه الغربة الفكرية والاجتماعية أمام التغيير المعاصر بأشكاله المدنية المتقدمة، يدققون النظر في قصور الأفراح المشيدة جدرانها بالإسمنت والطلاء الملون، والأسقف التي تمتد إلى الأفق، ليجدوا أنفسهم أمام الجيل الحديث الذي لا يكاد أن يستوعب هذه النقلة السريعة وليس لديه الوقت لسماع المسن لوجود هوة زمنية لا تتوافق وإدراك المسن.
وكان أول الحديث مع العم أحمد بن سعيد الكناني 75عاماً والذي قال مداعباً: أجيال البسكويت تجاهلوا أجيال العصيد والخبز، ولكي يبادلني أطراف الحديث فقد تقمصت دور المنتقد بشدة لهذا الجيل حتى وجدت منه تقبلاً لسماعي وبدأ يستطرد حديثه قائلاً: هؤلاء في نعيم أما أنا فتزوجت أربعا من النساء أولهن كان مهرها سبعة ريالات وعملت في رعي الغنم مع وليها لمدة ثلاث سنوات وهي تكملة المهر، ثم تزوجتها، أما الأخيرة فكان مهرها تسعمائة ريال بعد أن تيسرت أموري ولله الحمد، وعن العشاء والتكاليف يقول: أقمت وليمة عبارة عن عجل قام أهالي القرية بذبحه وطبخه وتقديمه على مائدة من الخبز والمرق، ولم نكن نملك اللحم مثل اليوم بل أننا كنا نقوم بتقديم الخبز والمرق على سفرة الطعام، وبعد ذلك نقوم باختيار شخص له الخبرة في تقسيم اللحم يسمى ( المقّسِم) بحيث يكون لكل ضيف ملء اليدين من اللحم يضعها في يد الضيف لتناول حسابه من اللحم ثم ضحك العم أحمد وطلب مني أن أدنو منه وهمس في أذني قائلاً: كان الرجل الكريم في الزمن الماضي يقوم باختيار رجل ضخم اليدين ليقوم بتقسيم اللحم أما من كان يعرف عنه البخل فيعمد على اختيار الرجل الهزيل قصير اليدين ضعيف البنية ليقوم بتقسيم اللحم بين الضيوف حتى يكفيهم ومن الضيوف من كان يأكل حسابه من اللحم ومنهم من كان يؤثر على نفسه ويذهب به لأهل بيته وأطفاله!!
ويضيف الكناني، قائلاً: أما اليوم فكما ترى أنا أجلس بمفردي على صحن مفطح فيه قعود كامل، وأغلب الصحون لا تجد عليها سوى شخص واحد أو اثنان أو حتى ثلاثة، فماذا تسمي هذا ؟!
أما العريس فهد بن سراج 25عاماً فقال: سأكتفي بذكر الديون بعد ان تنهد في ليلة فرحته وقال: الله يعين والدين 110آلاف ريال تقريباً، وعلى الله الفرج، قمت بذبح أربعة من العجول بمبلغ 16ألف ريال والفواكه والتمر والماء بخمسة آلاف وقيمة القصر 12ألف ريال والمهر 70ألف ريال خلافاً لقيمة الغداء،، وانا لازلت طالباً بجامعة أم القرى، ولكن والدي ووالدتي تكفلا بتزويجي لرغبتي في إكمال نصف ديني..
والتقت "الرياض" بعدد من الضيوف المدعوين لحفل الزفاف ويقول الشاب سعيد عبدالله الزهراني:هذه التكاليف أصبحت وكأنها مفروضة، وأغلب الناس يخشى ما يسمى (الفشيلة) وهو مصطلح لا يريد أن يحمله كائنا من كان، بل اصبح من مبادئ مجتمعات معظم المناطق وخصوصاً الباحة، وهو أن يتجمل صاحب المناسبة حتى ولو كانت الديون بمئات الألوف، المهم أن لا يقال: فلان لم يكمل الواجب، أو لم يقرئ الضيف! ومن هنا نمت لدينا عادات محفزة للتبذير والبذخ، وميسوري الحال صنعوا هذه الفروقات، حيث الكل أصبح ينشد المنافسة والكمال وثناء الناس على حساب همومه وديونه، إضافة إلى ذلك فإن تناول الدهون واللحوم طوال فصل الصيف أرهق الناس وتسبب في أمراض مثل الأملاح وآلآم المفاصل أو النقرس والكوليسترول والسمنة وغيرها من الأمراض.
أما الشاب سعيد الغامدي فيقول: من المبادئ التي نمت في هذه المجتمعات وتضخمت هي مصطلح (شراء المدح) فتجد الشاب بالكاد أكمل نصف دينه وتيسر له المهر، إلا أنه يطمح فيما يقال: (شراء المديح) والبعض منهم يدعو الشعراء ويمنحهم النقود مقابل سماع قصائد فيها المديح والثناء على كرمه الحاتمي، ليذيع صيته!!
وعودة لكبار السن يقول العم أحمد بن غرم الله الزهراني 70عاماً: كانت حفلات الزفاف قديماً لا تخلوا من العرضة، فأهل العروس يقدمون إلى أهل العريس بعرضة شعبية ومعها تحية ومباركة من الخبز أو الأغنام أو النقود إلا أنها رمزية وبما تجود به النفس، ولم يكن الشعراء يتقاضون مبالغ مادية مقابل المديح، والإطراء وبيع الكلام، بل كانوا لا يشترطون شيئاً من هذا مثل شعراء اليوم الذين يتم استئجارهم لمدة ساعتين أو ثلاث ويعطى الشاعر ما بين خمسة إلى عشرة آلاف مقابل أنه قال: حي الله النمر الفلاني، وهو ربما لو رأى فأراً لسقط مغشياً عليه، وزعم أن الضيوف باتوا يسبحون على المرق والسمن!! ثم يعطى على ذلك عشرة آلاف ريال كسوة!!!
ويضيف العم أحمد مستشهداً بقول الناظم: نعيب زماننا والعيب فينا... وما لزماننا عيب سوانا..
أما الشاب درباش الخزمري الزهراني فيقول: نحمد الله العلي القدير على هذه النعم التي نعيشها ونسأل الله أن يديمها من الزوال، ويضيف: أن أعداداً من المقيمين الأجانب يقومون بجمعها وتوزيعها على بعض الأسر المحتاجة، وأن دور الجمعيات الخيرية بارز في هذا الخصوص ولله الحمد، وقد شاهدنا ذلك في عدد من المناسبات وهو ما يسمى مشروع حفظ النعمة وتوزيعه على المحتاجين. أما المهندس خالد سراج يقول: الكل هنا الداعون والمدعوون في توتر وتشنج والكل قلق لضخامة الحفل والوليمة، فالنساء يتباهين بالزينة ولا تود المرأة أو الفتاة الحضور لحفل الزواج بنفس زيها أو فستانها وحليتها التي حضرت بها حفل زواج الأسبوع الماضي أو حتى ليلة البارحة!! وهذا فيه تكاليف كبيرة على المدعوين وفيه إشغال لوقتهم فيما لا يعود بالنفع بل بالخسارة والإسراف غير المبرر، كما أن أغلب الناس يحضرون مجاملة ونتمنى أن تقتصر مثل هذه الاحتفالات على الأهل والأقرباء وأن تكون بأقل التكاليف الممكنة..