اختلف علماء النفس والتربية فى تعريف الذكاء وتفرقوا فيه إلى مدارس ومذاهب شتى.. ولكن بعيداً عن أقوال العلماء واختبارات الذكاء يبقى الذكاء فى نظري هو ما اتفق عامة الناس على رؤيته "كذكاء" ويظل الغباء هو التصرف على هذا النحو في نظر الناس والمجتمع (حتى وان اظهرت الاختبارات النفسيه عكس ذلك )!!
... فرغم أن عامة الناس لا يفقهون فى التخصصات العلمية الدقيقة أو المصطلحات الفكرية العميقة إلا انهم في النهاية لا يجتمعون على ضلالة أو خطأ (ويقودهم حدسهم الجماعي إلى الصحيح والمعقول).. فالشهادة الفردية قد تتعرض للتحوير او التزوير او الميول الذاتية ولكن يصعب ان تتفق مجموعة كبيرة (لا تعرف بعضها البعض) على تكذيب أو تزوير أو حتى تجاهل مظهر أو تصرف معين..
- وبناء عليه أتساءل إن كان الوقت قد حان لاعتماد "الاتفاق الجماعي" كوسيلة من وسائل البحث العلمي أو التحكيم الشرعي؟
... بمعنى ان اختلف علماء النفس في تعريف الذكاء، أو علماء الاقتصاد في حد الفقر، أو علماء الاجتماع في مفهوم المواطن الصالح (أو حتى شيوخنا الأفاضل في الحكم على قضية مستحدثة) ألا يمكن في هذه الحالة استفتاء شريحة كبيرة من الناس (بكل الوسائل المتوفرة) لمعرفة رأيهم وتقييمهم الجماعي حولها!؟
وما يشجعنا على اعتماد هذه الوسيلة وجود أحاديث نبوية كثيرة تصب في ذات المعنى مثل قول المصطفى صلى الله عليه وسلم " إن إمتى لاتجتمع على ضلالة ".. وما جاء عن أنس أنه قال مُـر بجنازة فأثني عليها خيراً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وجبت وجبت وجبت) ومروا بجنازة فأثني عليها شرّاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وجبت وجبت وجبت) فسأله عمر فقال: (من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض.. أضف لهذا جاء في حديث قبيصة بن مخارق قول النبى صلى الله عليه وسلم : "ياقبيصة إن الصدقة لاتحل إلا لأحد ثلاثة (وذكر منهم) رجل أصابته فاقة حتى يشهد ثلاثة من أصحاب الحجا (أو العقل) انه قد اصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة..."
... مثل هذه الاحاديث - وغيرها كثير - تقيم وزناً كبيراً للرأي الجماعي وترفعه لمرتبة الفصل في القضايا والأحكام الكبيرة..
ومن المفارقات العجيبة أن اعتماد (رأي المجموعة) وسيلة أساسية وفاصلة في النظام القضائي الغربي / ولكن ليس في الأنظمة القضائية المعتمدة في الدول الاسلامية.. فنظام المحلفين الغربي يعتمد على وجود مجموعة من عامة المواطنين (مثلي ومثلك) يجلسون كمستمعين فقط ويقررون فى النهاية وبتصويت جماعي إن كان المتهم مذنباً أو غير مذنب.. وفي حال اتفقوا على براءته لا يملك القاضي غير إطلاق سراحه بصرف النظر عن رأيه الشخصي في المتهم / وفي حال اتفقوا على مسؤوليته وعدم براءته تقتصر مهمة القاضي على تحديد مدة وطبيعة العقوبة فقط!
واعتماد رأي المجموعة - بهذه الطريقة - يذكرنا بمغزى الأحاديث السابقة حيث يصعب على "الجماعة" التوافق على التصرفات الخاطئة أو الشاذة.. ورغم أن "المحلفين" في المحاكم الغربية غير متخصصين في مجال قانوني أو قضائي معين إلا أنهم - بوجه عام - مواطنون شرفاء يصعب اتفاقهم على مسألة خاطئة أو الإضرار بشخص لم يسبق لهم معرفته (في حين يذهب القاضي لمنزله مرتاح الضمير واحتمال تعرضه لضغوطات خارجية)!
- إذا؛ هل آن الأوان لاعتماد نظام المحلفين في محاكمنا الشرعية!؟
قال صلى الله عليه وسلم "... القوم المؤمنون شهداء الله فى الارض"