تخيلوا لو أن هذا السيناريو هو الذي حدث. مجموعة السعوديين الذين تعرضوا لحملة قذرة بسبب نصبهم لصحون فضائية في أسطح منازلهم في الفترة التي شهدت بداية انتشارها رضخوا بالفعل لتلك الحملة التي وصفتهم بالخنازير البشرية، وقاموا بتحطيم تلك اللاقطات. ماذا يمكن أن يحدث ؟! من غير المرجح أن هذا الرضوخ كان سيمنع وصول هذه اللاقطات إلينا الآن ولكنه ربما سيؤخرها وسيعرقل انتشارها .لكن من المؤكد أن هذه المجموعة الشجاعة والمقدامة ساهمت بشكل كبير في دفع موجة عالم الفضاء والاتصالات المهم جدا بشكل سريع إلى حياتنا عندما تحملت أذى الجهلة ،وشجعت الآخرين المترددين والخائفين إلى اقتناء مثل تلك الصحون الفضائية.
هذه المجموعة السعودية الرائعة والشجاعة تلعب عن المجتمع الدور الأهم والأكثر قسوة وألماً الذي يأتي مع بداية التغيير وإجراء تحديثات جديدة وغريبة على المجتمع. والأمر الأكثر تراجيدية أنها تتحمل أذى هذا المجتمع الذي تتجرع عنه الألم وتعبد له طريق التغيير. مثلا في قضية "الصحون اللاقطة" تعرضت هذه المجموعة ليس فقط من قبل الجهلة لحملة تخوين وتشكيك أخلاقي وتلطيخ سمعة من خلال أشرطة الكاسيت والخطب وحتى داخل الصفوف المدرسية، بل أن عناصر كثيرة من المجتمع كانت تنظر لهم بطريقة ازدرائية مهينة. ولكن هذه المجموعة ذات الوعي المتحضر والمضيء والعقلاني تجاهلت كل تلك الشتائم الرخيصة وتجاهلت الادعاءات السخيفة التي تتردد على نطاق واسع.. ماذا حدث بعد ذلك؟!. الناس الذين كانوا يتهمونهم، حتى ولو بشكل غير معلن، بالتهتك الأخلاقي قاموا بشكل متردد بوضع أطباقهم الفضائية الخاصة، التي مالبثت أن تزايد عددها وكبر حجمها. أما الآخرون الذين تفننوا في توجيه الشتائم لهم أصبحوا ضيوفاً دائمين على هذه القنوات الفضائية، التي حتى كانوا قبل وقت قريب يصفون من يشاهدها بالانحلال. كانت هذه المجموعة السعودية الرائعة (من المؤكد أن بعضهم أقدم عليه بشكل غير واعٍ ولكن هذا لا يقلل أبداً من شجاعتهم) تدرك أن كل الكلام عن الغزو الثقافي مجرد هراء أشخاص منغلقين يريدون أن ينعزلوا عن العالم ،وقد عرفوا أن الانفتاح مفيد دائما ،والأهم بأنه لا يمكن معاندة التغيير .كل الذي يحدث الآن لنا بسبب رؤيتهم المتفتحة وشجاعتهم الشخصية ،ومع ذلك لم نعتذر لهم عن كل الأخطاء التي ارتكبناها في حقهم ،والأذى الذي عانوه من جهلنا ،ولم نشكرهم بعد ذلك عندما اكتشفنا صواب رأيهم. ليس من المهم حقاً تحديد من هي هذه المجموعة التي يبدو أنها تنتمي لمستويات معيشية مختلفة، ولكن مجرد الاعتذار منهم وشكرهم ،حتى لو كان بسرائرنا، سيكون مفيدا لوعينا حتى لا يرتكب الأخطاء مجددا. ولكن الأخطاء، ربما من أجل هذا السبب تكررت وبذات السيناريو تقريباً. يحدث أمر جديد فتقوم هذه المجموعة باحتضانه ونهرع نحن لمهاجمتها بطريقة سوقية وبعد ذلك نقوم بتقليدهم بدون أن نقول كلمة اعتذار أو شكر واحدة لهم. مثلاً، قضية عباءة الكتف، تعرضت النساء اللاتي ارتدين مثل هذه العباءة الجديدة والمختلفة لموجة شديدة من التشكيك الأخلاقي وكذلك تعرض أزواجهن أو أخوانهن لذات الأمر. في أوساط الشباب كان ينظر للشاب الذي ترتدي شقيقاته مثل هذه العباءة الجديدة بطريقة غير محترمة .بالنسبة للنساء فقد تعرضن لحملة ازدراء واسعة من نساء مثلهن. والآن نعرف ما الذي حدث.أصبحت نسبة كاسحة من النساء يرتدين عباءات أكثر تطوراً من عباءة الكتف أما الرجال الذين كانوا يحتقرون الرجل الذي يسمح لشقيقاته بارتداء عباءة كتف، هم الذين ينتقون الموديلات الجديدة لزوجاتهم. وبالطبع إن كل هذا يحدث بدون أي اعتذار أو شعور بوخز الضمير لكل تلك الظنون والرؤى المريضة التي يحملونها لتلك المجموعة النسائية والرجالية الشجاعة التي أدركت سريعاً سخافة الادعاءات التي تمنع من لبس عباءة الكتف. وهو ما تعرف عليه المجتمع بعد ذلك ولكن بعدما أصبح الأمر عادياً ومقبولاً وسهل الابتلاع.
ويمكن أن نرى مثل ذلك الأمر في قضايا أخرى متنوعة ومختلفة من تعليم البنات إلى استيراد السائقين إلى السماح للنساء بممارسة الوظائف الحكومية و"الخاصة" المتنوعة، التي تدفع مجموعة سعودية نسائية ورجالية شجاعة الآن ثمن تعويد المجتمع على هذه الوظائف قبل أن يبدأ في الانخراط بها بشكل كامل . ويمكن أن نرى من الآن أن مثل هذه المشكلة ستكرر مع قضية قيادة المرأة للسيارة التي يدفع من الآن المؤيدون لها حتى قبل أن تطبق ثمن الاتهامات والشتائم والتخوين.
من المهم أن ندرك دور هذه المجموعات السعودية النسائية والرجالية الشجاعة في تحمل العبء الأكبر من صعوبة التغيير الذي نساهم نحن عبر جهلنا وسطحية عقولنا وضيق نظرتنا في جعله على هذا النحو من الصخب والسوقية. دعونا نقدم اعتذارنا الكبير لهم وشكرنا على كل ما قدموه . ولكن أكبر شكر يمكن أن نقدمه لهم هو أن نكف عن إزعاجهم وننضم لهم.