جغرافيا متحركة.. وتاريخ ثابت!!
تقال رئيس الوزراء البريطاني السابق تشرشل (سوف يذكرني التاريخ بالخير.. طالما أنني سوف أكتبه بيدي) وقد أصاب ثعلب السياسة البريطانية حين ألمح أن التاريخ يكتبه من يملك السلطة، وثمة قول شائع بأن (التاريخ يكتبه المنتصرون)، ولو نظرنا الى ما وَصَلنا من حضارات الأمم والشعوب لوجدنا أن ما وصلنا هو ما مر عبر بوابة السلطة الحاكمة، ومع تعاقب الدول والحضارات والحكام عبر التاريخ، كان كل حاكم يسمح بأن يكتب ما يمجده ويذكر مناقبه ومآثره ويبالغ في مدحه وإطراء أفعاله.. أما خصومه فكانوا يوصفون بأسوأ الصفات الذميمة، وتنسب إليهم أفعال وتصرفات تسيء إليهم، وتجعل الناس تنفر منهم.. وكان المؤرخون دائما - عدا من رحم الله - يخضعون لرغبات الحكام وأهوائهم.. فمن كان يجرؤ في زمن هتلر أو موسليني او لينين على نقدهم وذكر محاسن خصومهم.. ومن كان يجرؤ في زمن جمال عبدالناصر على نقد الثورة أو ذكر محاسن الملكية ، أو الحديث بإيجابية عن الملك فاروق.. لذلك نجد أن الأدباء والكتاب أفرطوا في ذم الملكية وإلصاق الكثير من الأكاذيب والتهم بالملك فاروق عكس حقيقتها.. وسخرت ثورة الضباط الأحرار الفن والإعلام ونجوم السينما لعمل أفلام تمجد الثورة وتذم الملكية.. إلى أن تم إنصافها بعد أكثر من خمسين عاما حين صارت في مصر حرية حقيقية تتعدى الشعارات، وتتجاوز رغبات الحكام.
لقد ظلم التاريخ كثيرين.. وأسبغ بالصفات الحسنة على آخرون لا يستحقونها.. وشوه التاريخ عبر المؤرخين غير الثقاة سِيَر الكثير من الشخصيات التي قد تكون حقيقتها مختلفة عما وصلنا من سيرتها.. وقد أجرم المؤرخون عبر الزمان بتشويه الحقيقة وخلق أكاذيب وادعاءات غيرت وجه الحقيقة التي لا يمكننا الآن معرفتها.. ومن أكثر الشخصيات التاريخية التي اختلف المؤرخون في تناول سيرتها هارون الرشيد، الذي كان يصفه البعض بالحاكم المنغمس بالملذات، الهائم بالنساء حتى أصبح مضربا للأمثال في ذلك، صاحب الليالي الصاخبة المليئة بالمحرمات.. ويصفه مؤرخون آخرون بالعابد الزاهد الباحث عن قرب ربه، وكانوا يقولون انه كان يحج في عام ويجاهد في العام الآخر، وكان من شدة اهتمامه بالدولة وتطورها وازدهارها أن بلغت الدولة العباسية الإسلامية في عهده قمة عزها، حيث كان يقول للسماء (أمطري حيث شئت يأتينا خراجك).. لكثرة الخير في عهده، واتساع رقعة الدولة العباسية.
المؤرخون ورواة التاريخ.. يكتبون التاريخ حسب أهوائهم وأمزجتهم ورغبات حكامهم.. هذه الحقيقة الصادمة عندما نفكر فيها بتمعن تجعلنا نشك في الكثير من قصص التاريخ ورواياته التي وصلت لنا، ولا ندري أين تكمن الحقيقة خاصة مع تناقض بعض تلك الحكايات بين الرواة والمؤرخين أنفسهم!!.
لا أدري لماذا تذكرت قول المؤرخ المصري جمال حمدان ( التاريخ جغرافيا متحركة، والجغرافيا تاريخ ثابت).. ودمتم سالمين.