في كوكب مشترك في البيئة والإنسان، هناك من لا يبالي بتدميره وراء المحافظة على مكاسب اقتصادية. وهناك مصلحون ورجال دين وعلوم مختصة بالمناخ، يؤمنون أننا أمام كارثة كونية لا تحمي الأغنياء، ولا تعفي الفقراء، وطالما ان هذا الشأن جزء من جدول أعمال "المؤتمر العالمي للحوار بين الأديان" فإن طرح هذا الاشكال على عناصر مستقلة بآرائها وسلامة قصدها، يضعنا أمام مسئولية إنسانية لا تقل، بشأنها، عن أي افتعال سيئ يضر بالإنسان، والمكان، ومستقبل هذا الكوكب والوحيد الصالح للحياة..
ثم إذا كان الحوار من أجل الحياة يتصل بالمعتقدات والثقافات ونشوء وتطور الحضارات، فإن الكائن البشري هو المحور، لأنه حامل العقائد والمدافع عنها، والمجتمعات كلها مجتمعات مؤمنة، ويختلف الأمر بين هذه المجاميع تبعاً لتسلسل وميراث أديانها، لكن جوهرها يظل يتمحور حول الإصلاح بكل أشكاله المتعلقة بالإنسان أو بيئته وموروثه الحضاري..
وإذا كانت أزمة الإنسان أخلاقية عندما أشاع الفساد، ونادى بحرية ترفضها مملكة الحيوان في مبدأ الإباحية، وإهدار كرامة وضوابط القيم الإنسانية، واعتماد فلسفة الصراعات الحضارية، والتاريخية والدينية، ونهاية تاريخ وعودة آخر، فإن هذا التوافق بين الأفكار، لا يسد فراغه، إلا حوار عالمي بين أصحاب القيم، والعالم الإسلامي، حتى بمن حاول وضعه على لائحة الاتهام، والإرهاب، وجعله عنواناً مضاداً للحضارة، فهذا ليس صحيحاً تبعاً لحقائق كل من تعامل مع هذا المعتقد ومنطلقاته، والدليل أن كل من عرضوا بنبي هذه الأمة صلى الله عليه وسلم أدركوا أنه لا يجرؤ مسلم واحد على نقد أو التقليل من النبي موسى، والنبي عيسى عليهما السلام، وهذا الترفع بأخلاق المسلم يدعونا إلى جعل هذا اللقاء المفتوح وسيطاً يفرض احترام المعتقدات واعتبارها مرشداً للالتزامات الأخلاقية، والادراك الواعي ورفض أي تعمد للإساءة لأي نبي مرسل لأمته..
لقد كان مبدأ التعايش السلمي سياسياً فرضته تساوي القوة وتفاوتها بين معسكري الشرق والغرب، والتعايش الديني يفرض أن يكون هذا الاتجاه أحد أهم بنود التوافق بين أصحاب الرسالات السماوية والمعتقدات الأخرى، وينتج عن هذا التصالح التعاون في مكافحة الجريمة بكل أشكالها ونشر وعي التسامح من خلال كل المنابر، لأن الخلاف المذهبي، والعقدي بين الدين الواحد، يجب أن لا يستغله من لا يمثلون جوهر هذه العقائد لمصالح سياسية أو تفجير المجتمعات والعودة إلى حروب المذاهب والأديان..
لقد ذهب الملك عبدالله إلى أن يكون داعية سلام لإيمانه أن أهم قناة تواصل بين الشعوب والأمم أن تتفق على ميثاق أخلاقي، وأن في الأديان والمعتقدات ثراءً سلوكياً ومعرفياً، وايماناً يوازن بين ثقة الإنسان بنفسه ورعايته لأخيه الآخر، ولعل في هذا التجمع الكبير ما يضعنا على بدايات الطريق في كشف أوراقنا لبعضنا ومعرفة ما يجمعنا، وما يحتم تحليل ودراسة ما يفرقنا ويخلق القطيعة بيننا، خاصة وأن من يحضرون هذا المنتدى الكبير هم الطليعة الواعية والمدركة أن كل خطوة نقطعها في تسهيل معرفتنا لبعضنا سوف تفضي إلى قطع الميل الأول ثم كل المسافات التي أعاقت فهمنا لبعضنا وسن قانون ثقافة التسامح والعمل بها..