جان بول سارتر.. ثقوب السيرة
قراءة : عبدالله المطيري
العنوان : جان بول سارتر.
المؤلفة: آني كوهن سولال.
ترجمة: جورج كتوره.
الناشر: الكتاب الجديد
سنة النشر:
2008.عدد الصفحات: 160صفحة.
* آني سولال هي كاتبة السيرة الكبرى لسارتر. وهذا الكتاب هو مليء لبعض الفجوات التي تخللت السيرة الكبرى. لدينا هنا نص حديث حيث كتب في لغته الأصلية سنة 2005.وهو بالتالي يناقش الكثير من القضايا الحديثة المثارة حول سارتر اليوم. في البداية تعبر المؤلفة عن اندهاشها من كون سارتر " منبوذا في فرنسا ومرجعا أساسيا خارجها". فما هو السبب؟ ولكن قبل هذا لا بد أن نطرح سؤالنا الأهم هنا. سؤال لماذا سارتر؟ برأيي أن سارتر مهم على أكثر من مستوى، المستوى الفلسفي ومستوى دور المثقف في مجتمعه. هذان المستويات على غاية الأهمية ودور سارتر فيها دور كبير ومؤثر باعتراف الجميع من أنصاره ومعارضيه.
على المستوى الفلسفي، سارتر فيلسوف وجودي مهم. وأطروحاته الفلسفية التي تجعل من الحرية جوهر الإنسان. وباعتبار أن الوجود سابق للماهية فإن الإنسان لديه القدرة على تشكيل هويته كما يشاء وهنا تتحقق أعلى مستويات الحرية. بث سارتر هذا الأفكار في كتبه الفلسفية وفي مسرحياته ورواياته وقصصه وأعماله السينمائية والنقدية ومقالاته الصحفية. سافر سارتر في بدايات القرن العشرين إلى ألمانيا والتقى هناك بفلسفة هوسرل وبالتأكيد أنه تعرف على فلسفة هايدجر أيضا. عاد سارتر لفرنسا ليؤسس فيها مذهبه الوجودي الذي انتشر انتشارا هائلا في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية حتى أصبح موضة الشباب والشابات الفرنسيين.
على مستوى دور المثقف، فإن سارتر هو صاحب مفهوم المثقف الملتزم والذي أصبح شعارا له خصوصا في الفترة الأخيرة من حياته. لم يكن لسارتر نشاط سياسي مهم في الثلاثينات والأربعينات. في منتصف الأربعينات حدث تحول في موقف سارتر من الواقع حيث انتقل من دور المنظر المراقب إلى دور المشارك المباشر. تحالف مع الشيوعيين وشارك شخصيا في مظاهرات 1968وسافر إلى الكثير من الدول والتقى بأبرز الفاعلين السياسيين. هذا الدور تردد صداه في الساحة العربية حين كان يطرح سؤال عن دور المثقف. السؤال الذي كان يطرح نفسه بقوة على المفكرين. هل دور المثقف يتحدد في حدود التفكير والتأليف والطرح النظري أم أنه مطلوب منه أن يطبق أفكاره على أرض الواقع بمعنى أن يشارك في الحراك العملي ويباشر الاهتمام بالقضايا المعاصرة التي يعيش وسطها. الإجابات مختلفة ومتباينة لكن إجابة سارتر هنا واضحة. فالمثقف الملتزم هو المثقف الذي يتخذ مواقف واضحة من القضايا المعاصرة وعليه أن يشارك فيها ويلتزم بتبعات هذه المشاركة. لا يجب أن تكون هذه المواقف ثابتة وجامدة ولكن يجب أن يشعر المثقف بمسئوليته تجاه الواقع من حوله. في المقابل هنا رؤى ترى أن المثقف ليس مطلوبا منه المشاركة في النشاطات الحركية ويكفيه دور الناقد والقارئ والمفكر. شخصيا أرى أن المثقفين شرائح وتوجهات وأن هذه القضية تبقى قضية اختيار شخصي وتخضع لرؤى المثقف ذاته ومن الطبيعي أن يتنوع المثقفون فالفلاسفة والمفكرين يكفيهم برأيي انشغالهم بقضاياهم الفكرية التي يمكن أن يحولها ويمارسها في الواقع بقية المثقفين غير المنشغلين بالقضايا النظرية بالكامل. هذا موقف وسط من سارتر الذي كان يعيش في عصر وهج الأيديولوجيات اليسارية والتي طالبت الكل بالمشاركة في النضال والثورة ومن لم يشارك أصبح مباشرة ناقص الولاء وغير مكتمل الوعي.
يحتوي الكتاب على خمسة عشر فصلا قصيرا. تأتي لملء الفراغات في السيرة الذاتية التي كتبتها سولال في السابق بالإضافة إلى مناقشة القضايا الحديثة التي طرأت بخصوص سارتر، خصوصا أن المؤلفة تؤكد على أن سارتر لا يزال موضوعا مثيرا في أكثر من مكان اليوم خصوصا خارج فرنسا التي يبدو أنها تشهد عزوفا عن سارتر هذه الأيام. ما يحدث في فرنسا قد يكون ردة فعل لا تزال مستمرة تجاه مالئ الدنيا وشاغل الناس، سارتر الذي وقف في أكثر من قضية ضد ما يفهم بأنه المصالح الفرنسية وضد الثقافة الفرنسية. فقد كان أفقا عالميا إنسانيا ولم يكن يتورع عن نقد فرنسا والثقافة الفرنسية ويقف في وجه رغباتها. هذا دور يليق بالفيلسوف حيث تكون الحقيقة هي الغاية والمقصد بغض النظر عن أي انتماءات.
بعد مقدمات عن المشروع السارتري تعود سولال في الفصل الثالث إلى طفولة سارتر وعلاقته بالكتابة، سارتر الطفل الذي أشرف عليه جد فائق البلاغة. يقول سارتر في هذا السياق "قام جدي بقذفي في الأدب من خلال العناية التي اتبعها في تخليصي من ذلك! لدرجة أنه قد يحصل لي حتى الآن، أن أتساءل حين يكون مزاجي سيئا، إن لم أكن قد أمضيت العديد من الأيام والليالي مغطى بالعديد من قصاصات الورق مملوءة بحبري طارحا العديد من الكتب التي لا يتمناها أي شخص، بهدف وحيد وأمل مجنون هو إرضاء جدي". أصبحت الكتابة بعد ذلك تحقيقاً لكينونة سارتر، الكاتب المكثر في الكثير من المجالات والذي طرح أيضا سؤالاً عن جدوى ومعنى الكتابة، نتذكر هنا كتابه "ما الأدب" الذي يطرح فيه سؤالا عن قيمة ومعنى الأدب والكتابة بشكل عام.
تعود سولال أيضا إلى أسرة سارتر والعلاقات التي كانت بين أعمامه وأخواله وصدى هذه العلاقات في كتاباته، من المعلوم أن سارتر كاتب مكشوف بمعنى أنه كاتب لا يخفي شيئا وكل ما يتعلق بحياته منشور ومعلن . لا تكتفي سولال بهذا المستوى بل تبحث عن معلومات أعمق إضافية، ما أدهشني هنا هو توفر المعلومات والوثائق عن قضايا تفصيلية صغيرة. تحصلت سولال من خلال أرشيف المدارس والمعاهد التي درس بها على شهادات وآراء زملاء سارتر فيه. كما عثرت على مراسلات عائلية مهمة جدا. هذا التوثيق مدهش خصوصا ونحن نتحدث عن بدايات القرن العشرين ووسط أجواء الحروب العالمية. الاهتمام بالإنسان والاعتداد بالفردية تكمن خلف هذه الممارسات التي تعتقد بفرادة كل شخص وبأهمية حفظ ما يخصه وتثبيته. تعثر سولال من خلال هذه الوثائق على سمات لشخصية سارتر والتي تختصرها في هذا المقطع "في هذا التوصيف لسارتر ابن العشرين، وفي حالته كوريث يريد الهدم، نجد متمردا متعجرفا تجاه كل شكل من أشكال السلطة التي تطالعنا، فهو المعارض للجنرال شارل ديغول في سنوات 1950، والمعارض للولايات المتحدة الأمريكية في سنوات 1960، والحامي للجماعات الماويّة في سنوات 1970".
في الفصل الثامن تبحث سولال عن اكتشاف سارتر للهوامش والثقافات المختلفة، تتحدث عن تعرفه عن هايدجر الذي يقول له في رسالة "لأول مرة أصادف مفكرا مستقلا، دخل إلى عمق مجال التجربة التي أفكر انطلاقا منها، يظهر كتابك فهما مباشرا لفلسفتي، الأمر الذي لم أصادفه حتى الآن". بدأت فلسفة سارتر فلسفة ذاتية، فلسفة الإنسان الوحيد، ثم تحولت بعد ذلك إلى فلسفة الإنسان الملتزم. كيف حدث هذا؟ ترى سولال أنه كان لا بد من تجربة الحرب، وتجربة العمل الصحفي في الولايات المتحدة الأمريكية، تقول حتى يتقوى سارتر في حمام الواقع وليسحب من فقاعته، إدراكا جديدا للسياسة، ولموقعه في السياسة، لقد عدّل منظوره بشكل جذري، ووسع من مجال تدخله، مضيفا حبلا جديدا إلى قوسه، مطورا ممارسته، مكتشفا الوظيفة الجدالية مع مشروع ثقافي كياني، في ما سيشكل على الدوام أحد الثوابت الكبرى في فكره حتى ساعة موته" .
تعود سولال في الخاتمة للحديث عن الوضعية التي يواجهها فكر سارتر في فرنسا الوضعية القلقة المتوترة، تقول "إن تشكيكات سارتر المنظمة قد جعلت منه شخصية يصعب تصنيفها في المقولات الفرنسية التقليدية، مع أنه يحتفظ بوضع هامشي في مجتمع تبقى فيه الأولوية للمؤسسات الصلبة والدائمة وللمشروعية المؤسساتية. كما أن نصوصه العنيفة تجاه أسرته وتجاه جده شفايتزر هي نصوص تحمل على الغيظ...". يحتوي سارتر على الكثير من الأشياء، الالتزام والتمرد والمزاجية والعدوانية والتفلسف ولكنه في مجمل حياته يمثل سيرة تستحق التأمل كونها شخصية تحمل معنى عميقا لوجودها من خلال تفاعلها مع هذه الحياة، عاش سارتر حياته قائما بمسؤولياته، في التفكير والسياسة والكتابة والنضال والحب، وبرأيي أن قصة الحب هي بالذات ما ينقص كتابنا هذا، سارتر مع المرأة، سارتر مع سمون دي بفوار وغيرها...