د. محمد الكثيري
حينما أطلق خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، دعوته لإقامة حوار حول الأديان، كان يدرك الأزمة التي يعيشها العالم وانعكاس تلك الأزمة على حياة الشعوب واستقرارها. كما انه - حفظه الله - يدرك أهمية البحث عن المشترك في حياة الشعوب وثقافاتها، وضرورة دعم ذلك المشترك والإضافة إليه، وتجنب الاختلاف والاصطدام. ثم هو يدرك مبدأ ديننا الإسلامي العظيم من الحوار مع غير المسلمين، منذ بزوغ الرسالة ونزول القرآن الكريم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كما انه إدراك منه أيضا لضرورة التنوع الثقافي بين بني البشر، وأن هذا التنوع هو سمة من سمات الخليقة، منذ أوجدها الله على سطح الأرض. وفي هذا السياق فانه يدرك أن الحوار بين الثقافات والشعوب المختلفة، مطلب أساس لكافة تلك الشعوب والثقافات، وان الحوار له أطراف عدة تشكل في مجموعها مكونات ذلك الحوار وتتساوى في حاجتها إليه.
الشيء المؤسف أن هناك، من بين المحللين والكتاب، من فهم هذه الدعوة منه وكأنها موجهة لنا نحن المسلمين فقط. حيث خرجت علينا بعض الكتابات، متأثرة بحالة الإرهاب الطارئة، التي تدعونا إلى التفاعل مع دعوته الكريمة والقناعة بأهمية الحوار كأسلوب للتواصل مع الآخر، وأن علينا، نحن المسلمين، الاقتناع بهذه الحقيقة والعمل من أجلها والسعي الجاد لترجمتها على أرض الواقع من خلال الاتصال والتواصل مع الآخرين.
أصحاب هذه الكتابات، يجهلون أو يتجاهلون، أن للحوار أطرافاً عدة، أو طرفين على الأقل، وأن عليهما التواصل والاتصال، وقبل كل ذلك القناعة بأهمية الحوار بينهما. ثم ان تلك الكتابات تفترض أن الطرف الآخر جاهز وقابل للحوار، وان لديه من الثقافة والمرونة ماهو كاف لإلقاء اللوم علينا، وأننا متى قبلنا به محاوراً فإن الأمر قد انتهى، والأهداف قد تحققت. يغيب عن بال أولئك ما خلقته السياسات المتهورة، والتصرفات المتشنجة، والكتابات المتطرفة، من تأزيم العلاقة بين ذلك الآخر والعالم الإسلامي، ومساهمتها في إيجاد حالة من التوتر والتشجنج، مما يعني أن المطالبة بالحوار يجب أن تكون موجهة لكلا الطرفين، وهو ما تبناه ودعا إليه خادم الحرمين الشريفين، وليس لطرف واحد، كما فهمه وحاول تصويره بعض الكتاب والمحللين.
إن الحوار مطلب ووسيلة لتجسير العلاقات بين الشعوب، وكي ينجح هذا الحوار، فإن على الجميع أن يلعب الدور المطلوب منه، فالأزمة خلقت من أطراف عدة، وعلاجها يحتم أن يلعب كل طرف الدور المطلوب منه بالطريقة الصحيحة.