بحث



الأريعاء 13 رجب 1429هـ -16 يوليو2008م - العدد 14632

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


حزب "اللمبة".. العودة إلى الجذور المحافظة

عادل بن زيد الطريفي
    يقال إنه حين أعلن رجب طيب أردوغان وزملاؤه الانشقاق عن حزب "الفضيلة" - وريث حزب الرفاه الإسلامي المحظور - ، أصيب رجائي طوقان بخيبة أمل كبيرة دفعته إلى تكسير لمبات منزله، وإصدار تعميم لحزبه الجديد (السعادة) يمنع استخدام اللمبة الكلاسيكية - شعار حزب "العدالة والتنمية" المنشق - والاستعاضة عنها بمصابيح الفلورسنت العريضة.

سبعة أعوام - تقريبا - مرت على بدء تجربة حزب "العدالة والتنمية"، وإنه لمن المثير للإعجاب نجاح هذا الحزب ليس فقط في البقاء طوال الأعوام الماضية، بل وفي مخالفة كل التوقعات المتشائمة والمثبطة داخل تركيا وخارجها. لقد استطاع هذا الحزب أن يثبت صلاحية النموذج الديمقراطي التركي، ويجري حملة إصلاحات اقتصادية وسياسية في وقت قياسي دون الحاجة لتغيير النظام، العبث بالدستور، أو تحدي المؤسسة العسكرية النافذة.

ليس عبر "الأسلمة" - بالتأكيد - ، ولكن بالعودة إلى الجذور المحافظة التي أنبتت الحركية الإسلامية في تركيا الحديثة، والتصالح مع النموذج الديمقراطي الليبرالي الذي بشر به تورغت أوزال قبل عقدين من الزمن حين قال "هنا أمريكا الصغيرة".

صورتان مطبوعتان في الذهن، تكشف لك كم تغيرت تركيا خلال الأعوام الستة الماضية منذ دخول رجب أردوغان وعبدالله غل السلطة: في صيف 2002حينما كان قادة "العدالة والتنمية" يعدون العدة لانتخابات الخريف اجتاحت القوات الإسرائيلية مخيم جنين الفلسطيني، وأحدثت العملية ردود فعل دولية كثيرة، حتى أن بولنت أجاويد رئيس الحكومة التركية (العلماني اليساري) ندد بالتعسف الإسرائيلي، ووصف العملية "بالإبادة"، وعرض ذلك العلاقات التركية/الإسرائيلية لواحدة من أبرز لحظات التوتر بين الجانبين. أما حزب "العدالة والتنمية"، والذي تربت الأكثرية منه داخل محاضن الحركية الإسلامية، فتجنبوا التصريحات العلنية، وتحاشوا التعليق على الحادثة حتى لا يؤثر ذلك على مستقبل علاقاتهم بالولايات المتحدة وإسرائيل ويكون ذلك ذريعة للمؤسسة العسكرية في التخويف من وصولهم للسلطة.

اليوم، يقوم رئيس الوزراء أردوغان بما يوصف بأهم رعاية لمسيرة السلام منذ مفاوضات 1999بين إسرائيل وسوريا، وقد أثبتت السياسة الخارجية للحزب مهارة عالية على كسب ثقة الإسرائيليين، حتى أن فئات في المعارضة العلمانية التركية نددت أكثر من مرة بزيادة التوافق الحكومي للحزب مع سياسة الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة بالشكل الذي يهدد المصالح الإستراتيجية لتركيا كما قالوا، حتى إن كاتباً قومياً (متعصباً) ألف كتاباً بعنوان "أولاد موسى" يهاجم فيه حزب "العدالة والتنمية" بوصفه آلة في مشروع صهيوني عالمي لتفتيت تركيا والقضاء على القومية التركية.

في نوفمبر 2002كتبت صحيفة النيويورك تايمز تتساءل عن المصير المجهول لتركيا: هل يستطيع خريجو المدرسة الحركية الإسلامية إدارة ديمقراطية؟ والإجابة التي نعرفها اليوم هي نعم، وبإشادة ذات الصحيفة أيضا.

هل حقا فهمنا حزب "العدالة والتنمية"، وقدرناه حق قدره؟

أزعم أن الأكثرية - بما فيهم كاتب المقال - قد أخطأوا قراءة المشهد التركي، وأننا للأسف خضعنا لجو الجدل الشائع ما بين الإسلاميين والقوميين داخل تركيا منذ عقود. لم ننتبه إلى أن الحراك الاجتماعي التركي تعرض لتغييرات كبيرة طالت معسكر الإسلاميين والعلمانيين على السواء نهاية التسعينات، وأنه في الوقت الذي كنا مشغولين فيه بمتابعة النقاش بين الأحزاب التقليدية - لاسيما زعماء الحركة الإسلامية ك أربكان وأحمد تكدال وطوقاني وفتح الله غولن - كانت تركيا تمر بمرحلة تغيير حقيقة على المستوى الاجتماعي تتجاوز النظرة القومية المنغلقة - والتي تنعت خطأ بالعلمانية - ، وكذلك مشروع المؤسسين الأوائل للحركية الإسلامية في بلد أتاتورك.

الانفتاح الاقتصادي والليبرالي الذي قاده تورغت أوزال في الثمانينات كانت له آثار هامة في تركيا لم تتبين ملامحها إلا نهاية التسعينات، لعل أهمها يكمن في أن التحرير الاقتصادي الرأسمالي قد قاد في نهاية المطاف لا إلى تحرير الاقتصاد التركي من مركزية الحكومة فقط، بل إلى توسيع دائرة الطبقة الوسطى لأول مرة منذ ثورة الصناعة الثقيلة في تركيا نهاية الخمسينات. الأمر الآخر يتعلق بالجانب الليبرالي في إرث أوزال السياسي، فأجواء الانفتاح التي سادت بعد وصول أوزال للسلطة خففت من الضغوط على نشاط الحركية الإسلامية، ولهذا فإن الانتصار الكاسح الذي حققه إسلاميو حزب "الرفاه" في انتخابات 1996يدين بالفضل لعقد كامل من القيود المخففة على العمل الإسلامي، ولعل هذا ما يفسر حقيقة فشل تجربة أربكان وأنصاره - المخلصين لمبادئ الحركية الإسلامية الداعية لإقامة دولة دينية - حين تصوروا أن الشعبية التي حققوها في تلك المرحلة كانت تعطيهم الحق في فرض تصوراتهم على بقية الأتراك المؤمنين بمبادئ القومية التركية والمتجذرين في مؤسساتها العسكرية والتعليمية، والقانونية.

هناك أسباب عديدة لفشل تجربة "الرفاه" ليس هنا محل نقاشها، بيد أن من المهم الإشارة إلى أن حزب "الرفاه" بالرغم من عدم انتهاجه لخطوات عملية باتجاه تغيير النظام العلماني الحاكم حينها، إلا أن شعاراته ومعاركه الكلامية كانت مليئة بخطاب تحدٍ ومواجهة مع الإرث الأتاتوركي، ولذلك حينما سعى الحزب لاحقاً إلى لملمة صفوفه بعد الانقلاب والحظر نهاية التسعينات لم يكن قادة الحزب التاريخيين يدركون أن التحول الاجتماعي الذي حقق لهم الفوز سرعان ما تفرق لأن الرهان لم يكن على أسلمة النظام بقدر ما كانت هناك تطلعات شعبية محافظة لحكم يوفر لها الرخاء الاقتصادي بعد سنوات من الإدارة السياسية المتعثرة.

يحكي الباحث التركي بينار ترمبلي بأن البيئة الاجتماعية التركية تعرضت منذ الثمانينات لمتغيرات كثيرة، لعل أبرزها صعود طبقة وسطى من عمق الطبقة الفقيرة الفلاحية في الأطراف، هذه الهجرة إلى المركز بغرض العمل والوظيفة حملت معها مواضعاتها الاجتماعية الخاصة بها، فهؤلاء الوافدون الجدد على المركز لم تكن لديهم خلفيات اجتماعية تميزهم عن أبناء الطبقات الوسطى للموظفين الحكوميين والعسكريين سواء من طبقة الليبراليين أو القوميين إلا تقاليدهم المحافظة، ولذلك كان أن تبنى الوافدون الجدد الحركية الإسلامية كرمز لهوية وثقافة جديدة، ولكن مع نهاية التسعينات - وبالذات بعد فشل تجربة "الرفاه" - تحولوا بشكل بارز عن الانخراط في النشاط السياسي، وأصبح التركيز أكثر على إبراز الحضور الاجتماعي المحافظ. مما أنتج جيلاً مختلفاً من أبناء إسلاميي الثمانينات يختلفون عن عائلاتهم كثيراً في المجالين الفكري والمعيشي، وهو جيل يسميه بينار ب "إسلاميو اللاتيه" - نسبة للقهوة الإيطالية - وهم جيل متعلم ومثقف ومتأثر بشكل كبير بنمط الحياة الأمريكية، فهم ينهمكون على حواسب "أبل" ويقضون الساعات في غرف الدردشة على الانترنت أو فيس - بوك، يتواصلون مع بعضهم بالرسائل القصيرة عبر هواتفهم النقالة، يتسوقون وفقاً للموضة الشبابية الرائجة في "المولات" الحديثة، وتلبس الفتيات حجاباً "ملوناً" مصمماً على الطريقة الفرنسية، ويقضون أكثر أوقاتهم في المقاهي الشبابية الحديثة - التي انتشرت في تركيا مع انتشار الانترنت - وفي ارتشاف قهوة اللاتيه والحديث عن آخر الأفلام وأخبار المشاهير، حتى أن مجلة تركية نوهت إلى أن لبس الحجاب "الملون" تحول إلى موضة اجتماعية نتيجة لرغبة الكثيرات من فتيات الطبقة الفقيرة في التشبه بأبناء الطبقات الوسطى المحافظة في المدن.

ليست هذه بالطبع صورة تركيا اليوم، ولكن الطبقة الوسطى الحديثة من الإسلاميين والعلمانيين في تركيا عثرت على نقاط تقارب فيما بينها في نمط الحياة والمعيشة، والتطلع لمستقبل أفضل، مما جعلها تنأى بنفسها عن التيار الإسلامي الراديكالي المتشدد، وتنحى باتجاه أكثر حداثة وتوافق مع الغرب مع التأكيد على هويتها المحافظة، وهو أمر أدركه عدد من القادة السياسيين الشباب داخل حزب "الفضيلة" وقادوا حملة كبيرة للضغط على قادة العمل الإسلامي باتجاه إصلاح الحزب، ولذلك حينما منح رجائي طوقان اثنتين من النساء الغير محجبات صفة تمثيلية في مجلس الحزب استقال أربعة من شخصيات الحزب - على رأسهم عبدالله غل - احتاجا بوصف التعديلات لا ترقى لمستوى الإصلاح المطلوب في المرحلة الجديدة.

حين أعلن قادة حزب "العدالة والتنمية" انشقاقهم عن حزبهم الأم انضم إليهم ما يقارب النصف فقط من الممثلين الحزبيين، وكان أن قيل وقتها بأن حزبا شعاره "اللمبة" سيصعب عليه الوصول، ولكن كانت المفاجأة كبيرة، فقد نجحوا في دورتين انتخابيتين، وحققوا واحدة من أبرز نسب النمو العالمية، طرحوا ليرة تركية جديدة بعد عقود من التضخم، وخفضوا البطالة إلى أدنى معدلاتها، حققوا تقدما ملحوظاً في مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي، وشهد حكمهم إصلاحات مثيرة للإعجاب في مجال الحريات وحقوق الإنسان، كما عززوا الاندماج الكردي داخل المؤسسة السياسية التركية، وحافظوا بجدارة على علاقات وثيقة بواشنطن. أما أهم إنجازاتهم على صعيد السياسة الخارجية فهو أنهم أخرجوا تركيا من عزلتها المعهودة، وأصبحوا فاعلين في أكثر من ملف إقليمي بشكل يبعث على الإعجاب. حتى الحرب الأمريكية على العراق والتي عارضوها بضغوط من القوميين الأتراك، والإسلاميين التقليديين، عبروا عن ندمهم على عدم المشاركة فيها، لأن المصلحة كانت تقتضي عدم ترك الأمر للأمريكيين وحدهم يملأونه بأخطائهم.

صحيح أن التجربة لم تخل من الأخطاء، سواء كان ذلك في الاستجابة لضغوط الحركيين في ملفات "الحجاب"، و"معاهد إمام خطيب"، وغيرها من القضايا المميزة لمشروع الإسلاميين، إلا أن الحزب تنبه إلى أنه ليس بحاجة إلى الرضوخ لمطالب الحركيين المتشددين داخل صفوفه، بل إلى التركيز على الجماهير "المحافظة" في عموم تركيا، والذين أعطوا الحزب في انتخابات العام الماضي زخما كبيرا.

برأيي، أن من الخطأ وصف "العدالة والتنمية" بأنه حزب إسلامي، بل هو حزب "محافظ" يقوده إسلاميون سابقون، وهم في الحقيقة ليسوا في صراع مع العلمانية الليبرالية، بل في نزاع مع العلمانية القومية التي هيمنت على تاريخ تركيا الحديث. هذا النموذج بحق هو المستقبل بالنسبة للحركية الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي، أي الانتقال من الفكر الحركي المصادم للغرب والحداثة إلى الفكر المحافظ الذي ينشد الممارسة الديمقراطية والحداثة بنكهة شرقية "محافظة".

ستحتاج الأحزاب والحركات الإسلامية في بلداننا إلى عقود لكي يفهموا بوعي نموذج أردوغان وغل، ولكن ورغم المعوقات الكثيرة لا يسع المراقب إلا أن يصفق لهذا الأداء الكبير الذي أنجزه هذان الرجلان. وكل ما يأمله المرء هو أن تستمر هذه التجربة على مسارها الراهن فلا تطيح بها ضغوط الحركيين المتشددين، أو أطماع القوميين المتعصبين.

لقد أنار حزب "اللمبة" الطريق للآخرين، فالحل كان بالتخلي عن الحركية المتشددة، والعودة إلى الجذور المحافظة.

3 تعليقات
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


ليه دايما نربط الفكره بادارة اسلاميه انها لازم تكون متشدده
ليه الافتراض ان الناس ما يبغون اصلا ادارة اسلاميه حقيقيه معتدله
والسؤال الاهم
ليه يوم نجح جزب العداله بامتياز وبصورة ديموقراطيه اكبر من العلمانينن والقوميين
نبدأ نحاول نجرده من صورته الاسلاميه ونقول انه اساسا مو اسلامي ؟؟!!
مع احترامي الشديد لك, لكن كانه لك آراء نمطيه( عن الاسلاميين) مثل اغلب المحلليين و تحاول تفرضها علينا


ياسر
ابلاغ
09:56 صباحاً 2008/07/16

 


لا أفوت فرصة قراءة مقالاتك، ولكن ! هذه المرة لم تصب الهدف، جردت الحزب من واجهته الإلامية حين نجح !!!، بدعوى أن النجاح للمبادئ الليبرالية !!!، ومن قال إن المبادئ الإسلامية لا تجلب النجاح، ومن قال إن كل المبادئ الفضلى هي ليبرالية بالضرورة، الحزب نجح لأنه إسلامي حكيم ليس متهورا ولا يقفز المراحل، وليبراليو السعودية فشلوا لأنهم أرادوا حرق المراحل...


إبراهيم
ابلاغ
12:33 مساءً 2008/07/16

 


مقال يقراء الحاله التركية بشكل رائع
لكن المهم هو نجاح تجربة راهن الكثير على فشلها بسبب اسلاميتها !
في المشرق المحافظة تكون في التدين الاسلامي فهل المقصود نجاح التدين الاسلامي المعتدل
اذا لنقل نجح الاسم المعتدل في تركيا


كيمو
ابلاغ
01:59 مساءً 2008/07/16


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2009
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية