كان نبض العالم متصلاً بوميض شاشات الأسواق النفطية طوال الأشهر الستة الماضية على الأقل، واستولى النفط على أحاديث الناس في أرجاء العالم معتلياً قمة همومهم، وظهر بجلاء لم يسبق له مثيل خطورة الموقع الذي يتمتع به النفط في البنية الاقتصادية والاجتماعية لكل دول العالم من دون استثناء، كما اتضح أن التأثيرات المباشرة والكبيرة للنفط في حياة الناس بمختلف مستوياتهم ومناشطهم وأقطارهم، تبرر القول إن هذه المادة تقف على رأس المرجعيات الحاكمة للتفاعلات السياسية والاقتصادية الكبرى في العالم، وتشكل إلى ذلك الدوافع الرئيسة للحروب وحالات الاضطراب التي يعيشها محيطنا الجغرافي، لقد كانت التظاهرات والاحتجاجات الصاخبة في مدن الدول الغنية والفقيرة على حد سواء، تعكس الاهتزاز الذي أصاب أسس الحياة ووضع البشر على صعيد واحد.
إن النفط يقود العالم ويجعل من الوحدة الإنسانية أمراً ممكناً، شريطة أن يدرك هذا العالم أن أزمة الأسعار هي ما يبرز على سطح الأرض من هذه المسألة، إنها البثور التي تطفح على الجلد لتؤشر على اعتلال الوظائف الحيوية للجسد، وإذ يقع النفط موقع القلب من عصر الصناعة كما هي عليه الحال في وقتنا الحاضر، وإلى أمد غير معلوم، فإنه يمكن تلمس الأسباب المفضية إلى حالة الهلع التي ضربت العالم، بعد أن تلقى سيلاً من الإيحاءات بأن برميل السائل السحري قد يساوي وزنه من الدولارات الورقية التي بهت لونها الأخضر، لم يكن ذلك ليثير أحداً لو أن الأمر كان متعلقاً بأحجار الياقوت أو بيوض الكافيار، ولكن أصداء النفط المتجاوبة في أصقاع العالم والهمهمات المتوجسة التي يبعثها في صفوف الملايين في كل مكان، تكشف عن ترابطه العميق بحياتهم، وأبعاده التي تخترق الواقع المعيشي للمجتمعات البشرية وتنتظم مستوياتها وطبقاتها من دون استثناء، الناس يقعون أسرى للهلع عندما تتعرض أسس عيشهم ووسائله للزعازع، ومن الواضح أن استقامة أسس الحياة في عصرنا لن تكون ممكنة من دون نفط.
إننا نعيش عالماً يهجس نفطاً، ولكنه مع ذلك يمضي معصوب العينين، دافعاً أزمته إلى ذورتها، يشتغل على الفقاعات المتطايرة من الغليان من دون أن يلقي بالاً للهب المتقد، إذ لا يبصر من جسم الأزمة الهائل إلا ما يتصاعد عن تفاعلاتها التحتية متمثلاً في استعار الأسعار، أي: ما تسمح له الإدارات السياسية العالمية بالظهور في سياق المصالح قصيرة الأجل، فيجري اختزالها وتكبت تفاعلاتها العميقة تحت دوامة الانفعالات الاتهامية المثقلة بالتهديد المبطن لمنتجي البترول، ثمة تصميم عنيد على تقزيم التحدي الذي تمثله معضلة الطاقة للحضارة الإنسانية، التي تتكاثف نذرها على أفق المستقبل القريب في دائرة الأسعار، أما (القيم) الجوهرية والحقائق الكبرى لواقع الصناعة النفطية، اتجاهاتها ومستقبلها ومعادلاتها ومحدداتها، التي يمكن لها وحدها أن تشكل مرتكزاً لإشادة موقف بشري موحد، للتعامل مع مسألة مصيرية، فإنها تواجه تهميشاً متعمداً، وتعاني الإزاحة المقصودة عن واجهة الاهتمام.
فبينما تتوالد الأسعار عبر تفاعلات قوى السوق وعناصره العديدة، المتحركة في إطار طبيعتها الآنية وقابليتها للتأثر بمختلف الشروط والعوامل الطارئة، كما تجلى ذلك عبر فاعلية أموال المضاربة التي استقطبتها السوق البترولية في إطلاق موجات الارتفاع وتأجيج الأسعار، حيث يمكن للأسعار أن تلتهب أو تخمد كما تفعل النار (أسعروا وسعروا بمعنى واحد) كما يقول ابن منظور، فيما تتصف الأسعار بحساسية مفرطة للتهيج والشبوب، يقابلها بالطبع قابلية للخفوت والهمود، فإن ما تسمو به (القيمة) يكمن في ما تتمتع به من الثبات والدوام؛ لأنها وبالعودة إلى لسان العرب تقوم مقام الشيء، وهي بالتالي ثمنه بالتقويم.
إن اختزال النفط في سعره ينطوي على مصادرة علنية لقيمته والمعاني التي تحيل إليها كلمتا سعر (price) وقيمة (value) في اللغات الأجنبية تزكي هذا الظن وتعززه، فبينما يشير اللفظ (price) إلى حجوم وأعداد التسويات العابرة لتبادل السلع والموجودات مثل: الكلفة والمصاريف والأجور والرسوم والفواتير، فإن القيمة (value) تنتمي إلى المحصلة المتجاوزة للمحسوس، التي تراكمت عبر مسيرة الترقي الطويلة للإنسانية، وتندرج في نطاق المعاني المفارقة لحيز الزمان والمكان، فهي تشتمل على معنى الأهمية والاحترام والنفع والمغزى والجدارة والاستحقاق والفضيلة، واقع الحال إذاً يقصي السعر من حيز البحث عن حقائق أزمة النفط الحالية ومحدداتها؛ لأن السعر وإن كان يؤشر عليها، إلا أنه يراد له أن يجبّ قيمتها الكامنة في النقلة التي حققها النفط في مسار العصر الصناعي، فقد كان النفط يوطد مكانته كأحد أهم المصادر التي جعلت من التطور التقني والإنتاجي ممكناً منذ منتصف القرن التاسع عشر، وجعل من المحرك الانفجاري حاملاً أساسياً لدعامات الإنتاج الصناعي الهائل، كما أصبحت إمكانات إحلال المواد المصنعة واقعاً ساعد الاقتصاد العالمي على مواجهة تصاعد الطلب على المواد الطبيعية، ولم تكن الثورة الخضراء ممكنة بحال من دون المخصبات المصنعة من النفط أيضاً، لذا فان (قيمة) النفط ترتسم على صفحة العالم المضطرب وعبر الاختلالات العميقة التي أوقعتها احتمالات نقص الإمدادات النفطية، وتكمن خلف مخاوف الركود التي تخيم على أفق أكبر الاقتصاديات.
لقد أدخل النفط تغييراً جوهرياً على معادلات الحياة وسلوكيات الإنسان وأنظمة العيش والإنتاج، لذا فإن الانفلاتات الجامحة لأسعاره تعكس انهيار المعادلات المصطنعة، التي غيبت قيمته الحقيقية والتي كانت قائمة على شروط دولية وشبكات قوى أخذت تتعرض للتفكك على وقع تصاعد وتأثيرات القوى الآسيوية الناهضة، وقد قدم ذلك للعالم فرصة ثمينة للتفكير في (تقويم) النفط لا تسعيره، بما يعني تثمينه بما يقوم مقامه.
لقد أماطت التطورات العالمية في العقدين الأخيرين اللثام عن الملمح الأساسي للنفط، ووضعت الحقيقة المؤكدة والبسيطة ضمن عناصر المعادلة، لم تكتشف مجهولاً ولكنها شدت الأنظار إلى أهم العناصر المغيبة بين أطراف المعادلة، وهي الطبيعة غير المتجددة للنفط وحتمية نضوبه بعد حين طال أم قصر، وفجأة تدافعت الحقائق كما تتدافع المياه بعد انهيار السدود، ومع أن الأمر لم يعدو تظهيراً لمعطيات كانت تتجمع منذ أفول عصر الاكتشافات البترولية العملاقة في الستينيات من القرن المنصرم، إلا أنها لم تكن لتثير اهتمام أو قلق أحد، لقد أقصيت من عناصر المعادلة وطردت عن دائرة الاهتمام، في غمرة الحديث عن احتياطيات تكفي لقرون عديدة وفقاً لحجم استهلاك العالم حين ذلك، لم يكن العالم على عجلة من أمره، ولم يكن ينتظر أن تحصل الشعوب الآسيوية الكثيفة على كل هذا الزخم والحيوية ولكنه كان يتوقع أن يكتشف غواراً آخر أو برقاناً في مكان ما من اليابسة ربما كل عشر سنوات، لم يحدث ذلك، وتقلصت الآمال في العثور على مكامن قادرة على قلب المعادلات بعد أن مسحت اليابسة، وقيعان المحيطات، أطلت أشباح الأزمة من حيث يستنزف العالم الاحتياطات الكلية بمعدل يزيد ثلاث مرات على ما يكتشفه.
إن النفط يتحول بسرعة إلى مادة نادرة، وأن وتائر هذا التحول تتسارع على وقع تزايد الاستهلاك وتضاؤل فرص العثور على مكامن واعدة، ولقد أخذ هذا التحول يعبر عن نفسه على محاور متعددة، فمن الطبيعي أن يصبح النفط ملجأ للثروة ومستودعاً للمال، ويستقطب أقطاب المضاربة وأساطينها، وأن يسلط الضوء الأحمر على حقوله وتصبح أكثر مناطق صراع الإرادات الكبرى في العالم، وأن تلتهب أسعاره، التي تبقى في اعتبار منتجيه من الخليجيين خاصة أرقاماً لا تعبر عن قيمته، حيث قيمته تمثل غدهم.