مقدمات حوارات مدريد..
محاولات كثيرة جرت في التقريب بين الأديان، أو تبني سياسة الحوار كطريق للتقارب ومع أن الارادة موجودة، لكن الرغبات لم تتحقق فقد بقي التقارب والتباعد مرهونين بتعزيز تلك الارادة وتعميم مشروع قابل للتداول والتواصل.
ولأن المملكة في مسلكها السياسي، لم تكن جامدة ولا متهورة فقد كان مؤسس المملكة العظيم صاحب مبادرة الحوار وتعزيز المقاومة الفلسطينية كطريق لتحرير الأرض، لكن الظروف العربية عندما كانت معظم الدول تحت الاحتلال، وكذلك المناخ الدولي الذي يعيش صدمة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أغلقت على هذه الفكرة، وقد جرى بعد ذلك سياسات ومواقف ظلت تقسم الأسرة العربية والإسلامية من أضعف مواقفها تجاه خصومها، وفي هذه الاجواء جاء موقف الملك فيصل رحمه الله، في غاية المسؤولية أثناء قمة الخرطوم بتعزيز الموقف العربي ودعمه مادياً وسياسياً، ثم مرحلة ايقاف تصدير النفط معززاً موقف العرب أمام أمريكا وغيرها، ثم الانفتاح الأكبر عندما أرسل وفداً (للفاتيكان) للحوار معه والتفاهم على نقاط الالتقاء، وإبعاد الأزمات والحروب بين الديانتين الإسلامية والمسيحية.
وفي أزمة أخطر، وبعد محاولات إجراء أقصى الحوارات والتلاقي مع صدام حسين عندما غامر بغزو الكويت كان لقرار المرحوم الملك فهد أهم تحول في تحرير الكويت، وكذلك الاشارات المتعددة التي جعلها الملك عبدالله رسالته الدائمة، في مشروع السلام الذي تبنته قمة بيروت، ثم تعزيز التعاون والانفتاح على كل التيارات والقوى، والتي ترجمت زيارته للفاتيكان كشخصية إسلامية مهمة ورائدة وبتلك الزيارة، ولد مشروعه "في عقد المؤتمر العالمي للحوار بين الأديان" وهي الخطوة التي ستترجم الأربعاء القادم في مدريد عندما يفتتحه مع جلالة الملك خوان كارلوس.
الديانات السماوية الثلاث تخاصمت وتحاربت، ومع أنها تتجه لإله واحد ورسالة ليست متقاطعة مع بعضها في الأصول الأساسية، الا أن تسييس هذه العقائد وتحويلها من برنامج تواصل في الحوار إلى صدامات متلاحقة كل يريد أن يرى الحقيقة من جانبه ضد الآخر، أوصل أصحاب هذه الديانات إلى القطيعة وتأجيج الموقف مما ساعد المتطرفين أن يخلقوا، أو يضعوا مضامين التطرف، وحين جاءت الدعوة من الملك عبدالله الذي يعتبر في رأس قمة العالم الإسلامي، توفرت أجواء التواصل والترحيب في هذه اللقاءات، وهي مضامين واسعة، وتحمل بذور الخلافات واللقاءات، ولكنها مقدمة يمكنها أن تختصر العديد من المسافات للبدء في تنشيط هذا الحوار وفق أسس قابلة للولادة والعيش.
وإذا كان الإيمان شيئاً أساسياً في حياة كل إنسان، وإن المعتقدات الشرقية استطاعت أن تنظم حياة شعوب بعض القارة الآسيوية، فإن الانفتاح على أصحاب هذه المعتقدات وشمولهم في هذا الحوار، دلالة أن الانغلاق في هذا الاتجاه ليس موجوداً وأن رغبة مفتوحة بين الجميع تعطي صورة أخرى بأننا مقدمون على قفزة نوعية في الطريق الإيجابي، وهو أنه إذا كانت الحروب عولجت بسياسة المصالح، فإن الأديان والمعتقدات لديها ما تسلكه وتترجمه كفعل إنساني وحضاري.