من خلال متابعة تصريحات المنتجين السعوديين التي أطلقوها على هامش مسلسلاتهم الجديدة التي تصوّر هذه الأيام يمكننا أن نلمس نوعاً من التغير الإيجابي في رؤيتهم وفي طريقتهم في التفكير حيث لم تعد المسألة الدرامية بالنسبة لهم مجرد مشاهد يصورونها على عجل وكيفما اتفق كما كانوا يفعلون في السابق بل أصبحت "صنعة" تتطلب منهم الدقة والإتقان والبحث عن الجديد في الأسلوب والموضوع.
وأهم التصريحات التي ينبغي التوقف عندها تصريح الممثل والمنتج ناصر القصبي الذي نشرناه هنا -في ثقافة اليوم- وقال فيه أن مسلسل "ناس وناس" سيتم تصويره باستخدام أربع كاميرات في وقت واحد وبأنه سيبتعد عن "القضايا" ويذهب إلى "صنعة" الكوميديا على اختلاف تقنياتها. وما يعنيني هنا هو الشق الثاني من التصريح؛ المتعلق بالقضايا وبصناعة الكوميديا من أجل الكوميديا، أما مسألة الأربع كاميرات فستكون ضيفة مقال لاحق وهي مهمة لأنها تؤكد حالة التطور التي ذكرتها في البداية.
ماذا يعني ابتعاد "ناس وناس" عن القضايا؟. أولاً.. هذا يعني أن السدحان والقصبي قد أدركا أن تواضع "طاش" في أيامه الأخيرة كان بسبب الانشغال بـ"القضية" و"الموضوع" على حساب الأسلوب، فقد كان ينظر للحلقة الواحدة من حلقات المسلسل على أنها بيان خطابي لابد أن يؤشر على قضية محددة بأسلوب مباشر، وهذا قتل صريح للصنعة الدرامية التي لا تأخذ قيمتها من ما يقدم فيها من أفكار بل من الطريقة التي تُطرح بها هذه الأفكار، وكل عمل درامي ناجح لم ينجح إلا لأنه عرف "كيف يحكي حكايته" بغض النظر عن مضمون الحكاية. هذا الابتعاد عن عنصر "القضية" سيزيل الغمامة التي كانت تحجب الرؤية عن السدحان والقصبي وتجعلهما يركزان أكثر على عنصر "السرد"؛ أهم عناصر الصنعة الدرامية.
ثانياً.. سيؤدي هذا الابتعاد إلى تغيير رؤية المشاهدين للعمل الفني، فبعد أن كان الكثير من المشاهدين يبحثون عن "القضية الكبرى" في العمل الفني ولا يعتبرون العمل جيداً إلا إذا كان "هادفاً" ويناقش قضية اجتماعية بشكل مباشر وصريح، حتى لو كان هشاً ومترهلاً في بنائه الدرامي، فهو جيد في نظرهم لأنه "هادف" وسيئ لأنه لم يطرح "قضية" أما الاعتبارات الفنية الأخرى فلا أهمية لها رغم أنها الأكثر أهمية.
إن إزاحة عنصر "القضية" -أو "الغاية" أو "المنفعة"- سيجبر هؤلاء المشاهدين على البحث عن معايير جديدة لتقييم العمل الفني، لأنهم في حال إعجابهم بمسلسل "ناس وناس" سيستغربون من رضاهم عن عملٍ لا يقدم "قضية" أو "رسالة" وسيجبرون حينها إلى الالتفات لعنصر "السرد" في السيناريو وللأسلوب والتصوير وتماسك اللقطات وغيرها من العناصر الفنية.
مثل هذه الخطوة في حال نجاحها ستوجه الفنان والمشاهد على حد سواء إلى صميم الصناعة الدرامية وسيكون معيار الحكم على المسلسلات ذا بعد فني خالص، وعندما يصل الفنان وجمهوره إلى هذا المستوى سيكون أمر تطور الدراما تحصيل حاصل، لأن الفنان في تلك المرحلة سيفكر ألف مرة في صياغة حكايته وترتيب عناصرها (البداية، العقدة، الذروة، النهاية) بالأسلوب المشوق الذي يضمن التأثير في مشاعر المشاهد والإمساك بانتباهه حتى آخر لقطة..