فارق كبير بين طرفي لقاء "الاتحاد من أجل المتوسط" فدول أوروبا تأتي مسلحة بإجماعها على كل ما تريد اشتراطه أو منحه، وإسرائيل لا تختلف عنها من حيث ما تقبله وترفضه من سلام واتفاق، وتغذيه لميزانياتها العلمية والعسكرية، وتبقى الدول العربية المطلة على هذا البحر، تذهب وهي مثقلة بهمومها السياسية، وخصوماتها وندرة اتفاقها على نقاط جوهرية تجعلها على نفس المستوى من المسؤولية مع القطاع الأوروبي..
إذا كان الفارق شاسعاً بين مواقف وثقافات وحتى النضج السياسي والتقدم العلمي والاجتماعي بين أوروبا والعرب، فالقضية هنا ستكون مجرد مظاهرة للقاء يغلب عليها طابع المجاملات، ومع افتراض انها بداية لطريق طويل، وان منطلقات أوروبا تفترض هذا الحوار والمساعدة في رفع مستوى تلك الحكومات وتحسين أدائها الداخلي ورسم طريق للسلام مع إسرائيل، واعتبار قضايا الهجرة لأوروبا هاجساً أمنياً واشكالاً قانونياً وسياسياً، فكل هذه الأمور المعلقة على ذمة حلول صعبة، قد تبرز أمامها تعقيدات طويلة، كجزء من واقع ثابت في معادلاته ورؤاه..
"ساركوزي" فرنسا، يريد أن يكون ممثلاً لجيل من الزعامات يتعامل مع الأفق المفتوح ليعطي لفرنسا دوراً قائداً في أوروبا وشريكاً فاعلاً مع أمريكا وهذا من المنظور العام تحرك جيد، لكن الصدام مع قضايا اقليمية ودولية لا تتشابه في تعقيداتها وحلولها مع أوروبا الشرقية التي دخلت شريكاً في الاتحاد، ثم وجود تباينات وخلافات داخل المجموعة العربية عجزت أن تفرض علاقات تقف على قضاياها ولو بنصف الطريق، لن يساعد على خلق أجواء تتعامل مع حالة المنطقة بوسائل عملية، إلا إذا تحول الثقل الأوروبي - الأمريكي بالمشجع وشبه الفارض لسياسات تخدم كل الأطراف..
في الداخل العربي أيضاً، توجهات مختلفة تجاه أوروبا، فإذا كانت دول المغرب ترى مصلحتها بالتقارب وحتى رسم خطط المستقبل مع الكيان الأوروبي أكثر فائدة وتطوراً، فهناك من يرفض هذا الاتحاد بوجود إسرائيل التي تحاول أن تجعله تطبيعاً مع العرب، وهي الرؤية ذاتها مع دول المشرق، والتي ليس بينها حتى الآن مصالحات أو بناء هيكل اقتصادي وأمني يساعدها على أن تتحدث بلغة الفريق الواحد، وهذه التناقضات ستكون مانعاً تلقائياً لأي مشروع يطرح في الحاضر والمستقبل..
هناك الهم الأمني، فإسرائيل قوة خطرة ما لم توضع في دائرة الملاحظة الدقيقة عن أي مفاجآت لها على الساحة العربية، أو التعامل مع إيران بنفس القوة مدفوعة بتأييد أمريكي، فأول المتضررين من صدمة الطاقة ستكون أوروبا والتي تملك مقداراً من الضغط على كلتا الدولتين في أي مغامرة عسكرية، ولديها صلات ومصالح تتجاوز الدول الآسيوية بمعنى أن أي انزلاق نحو خطر القوة ستدفع الثمن كل دول العالم، وطالما إيران أكثر تقارباً وانفتاحاً على أوروبا في شأن مفاعلاتها النووية، فعلى الأوروبيين "تفعيل" دولتي التهور حتى لا تضيع البوصلة الاقتصادية العالمية برؤى هي خليط من منظور ديني ووعد إلهي كما يزعم الرئيس بوش، وقياصرة إسرائيل..
عموماً الاجتماع يقع في حراك دولي وعالمي، فإذا كانت تايوان تلتقي مع الصين الأم، وكوريا الشمالية تفكك مفاعلاتها لتلحق بالقطاع الجنوبي المتطور، فأوروبا والدول العربية المطلة على المتوسط لديها ما يفرض هذه العلاقة ويطورها على أسس أكثر فائدة لكل الأطراف..