كل لمسة لها عندنا تفسير حتى لو لم نفكر بذلك أو نعطيه مصطلحاً أو اسماً لغوياً فاللمس وحده لغة تفاهم وتعامل وهو لغة من لا لغة له، والمختصون بدراسة الحواس يضعون اللمس في المرتبة الثالثة بعد البصر والسمع، واللمس يرافقنا من المهد إلى اللحد، وحياتنا كلها تدور حول اللمس فنحن ننام في الفراش نستشعر ملمس الشرشف ونغسل وجهنا نشعر بالصابون والماء وهكذا برنامجنا اليومي، ورغم أن اللمس حاجة طبيعية لكنه لا يحدث دائماً بشكل طبيعي وذلك لعدة ظروف ومفاهيم جعلت اللمس أقل مثل ربط اللمس بالجنس وبالأمراض وبالضعف العاطفي وبالبدائية، وقد تم تسطيح أهمية اللمس فأصبحنا لا نتلامس بشكل تلقائي داخل الأسرة الواحدة وفي العلاقات الإنسانية العامة لذا نحن بحاجة إلى إعادة تأهيل الإنسان فينا وتثقيفه من جديد عن اللمس كانت هذه مقدمة كتاب الدكتورة فوزية الدريع المعنون باللمس والمكون من ثمانية أبواب الفصل الأول تناول الجلد والثاني كان عن الهالة والفصل الثالث تحدث عن اليد وهي أداة اللمس موضوع الكتاب مشيرة المؤلفة إلى أن اليد عالم علاج مازال يبهر البحث العلمي والعلماء والطاقة الموجودة في الإبهام طاقة عظيمة، وهناك دراسات وجدت أن اللمس باليد اليسرى يزيد ضربات القلب الملموس أكثر مما لو تم اللمس باليد اليمنى، وفصل اليد تناول قراءة خريطة اليد والأصابع والأظافر ووضع اليد مع الأحوال الجوية، والفصل السادس يتحدث عن اللمس من ناحية الحاجة والفائدة وذكُر فيه أن الإنسان بدون لمس قد يموت حقيقة أو تموت فيه أشياء أو يعيش ميتا بدون إشباع اللمس لذا وجد الاصطلاح الجوع الجلدي أو جوع اللمس، وقد وجد أن الطفل الذي يحصل على لمس جيد من قبل أفراد أسرته يكون أقل عدوانية وأقل مشاكل في المدرسة والبيت وأن أثر اللمس يظهر على الطفل من أول سنة والطفل الذي لايتم لمسه يعاني أكثر من الطفل الذي يحصل على لمس في كم الأمراض النفسية البدنية، ويكون عاجزاً على الأخذ والعطاء في أي عاطفة ولا يملك مفهوماً لمعنى الحب وغير قادر على التعبير العاطفي الجيد، وحين يكبر يكون شخصاً وحيداً، أن بعض الدراسات النفسية التي ظهرت بشكل واضح في الستينات كانت تدعو لعدم حمل الطفل وتركه يبكي وتحديد مواعيد ترضيعه وتسمي د.فوزية هذه الفترة فترة اللعب بالفطرة السليمة فهذه الدعوة ألحقت ضرراً بالأطفال، دراسة قديمة في القرن التاسع عشر عن ظاهرة كانت تسمى (الموت هباء) قامت على رصد موت بعض الأطفال الصحيين بدون أي سبب سوى تركهم بدون لمس أو احتضان، إن الطفل يتغذى على اللمس كما أن لمس الطفل واحتضانه يجعل دماغه يثار فيثير الخلايا الخاصة بالنمو الدماغي والطفل الذي يتم احتضانه يصبح أسرع وأكثر استيعاباً من الطفل الذي يتم تعليمه بدون احتضان، وهناك رؤية نفسية ترى أن الولد الذي يقوم ببعض التصرفات المحرضة لأهله حتى يضربوه يكون بدافع لاشعوري لأنه محتاج لمس من الأهل حتى لو كان هذه اللمس صفعة .
وجاء في الكتاب إلى أن الخدود والأنف في حاجة إلى دغدغة في كل مراحل العمر ففي فترة المراهقة هناك احتياج رئيسي للمس وعدم لمسه يسبب قدرا من الإحباط والتوتر العصبي وهناك دراسات تؤكد أن المراهق الذي يتلقى احتضاناً من أهله اقل كآبه ومشاكل وأكثر ثقة بنفسه، وفي مرحلة النضج يكون نفس الاحتياج ففي أفريقيا وجدوا أن اللمس سلوك متعمد للقضاء على الكآبة، وأشارت د. فوزية انه بناء على خبراتها مع مشاكل الاغتصاب رأت أن من يقوم بفعل الاغتصاب وخاصة على الأطفال كان طفلا محروما من الحنان والاحتضان في معظم حياته، وفي دراسة في مستشفى أمراض عقلية وبمراقبة مسجلة بكاميرا فيديو وجد أن تدريب المتخلف عقليا للقيام بعمل ما يتحسن ويتقدم لو قام المدرب بلمس رأس أو كتف المتخلف . وفي عالم الحيوان أثبتت تجارب على القردة وحيوانات أخرى أن عدم توفر عنصر اللمس يسبب عند الحيوانات تلف دماغياً حتى مع وفرة عنصر الشم والبصر .
ووجدت بعض الدراسات التجارية أن السلعة قد تنجح لمجرد وجود لمس على الدعاية وكلما كان اللمس عميقاً قوياً ومثيراً نجحت الدعاية أكثر، وان اللمس الذي تحمله المراكز الحسية في الجلد للداخل يخلق تقلصات حيوية في العضلات أشبه بالتمارين التي تجعل العضلات اصح وأقوى، واللمس يخلق حركة في الغدد المختلفة في الجسم مما يجعل فاعليتها أفضل وميكانيكية التجديد عندها أسرع وفي دراسة ترصدية على الدم وعلاقته باللمس وجد أن اللمس يؤثر على فاعلية الهيموغلوبين وينشطه ويساهم في نقل الأكسجين إلى خلايا الجسم، كما أن اللمس يجعل الجسم اتوماتيكيا وبفعل إشارة من المخ ينتج مادة مورفين مخففة للألم واللمس قد يكون علاجاً وليس مخدراً فقط، فبعض أسرار التعالج باللمس تم رصدها والاقتناع بها علميا وبعضها مازال محيرا، كما أن جهاز المناعة في الجسم يتجاوب مع اللمس لخلق الشفاء بزيادة فاعلية الدفاع الذي يقوم به، ودراسة وجدت أن الأطفال الخدج، والأطفال المرضى بالربو والأطفال حاملي فيروس الايدز يصبحون أفضل ويتشافون أسرع باللمس، ولمس الإنسان المتقدم في العمر يجعل كل خليه في بدنه تنتعش وتقاوم لأجل البقاء فاللمس يضعف هرمون الشيخوخة ويجدد الحيوية في الجسم وفي أعضائه المتراخية المستعدة للتسليم والوداع، واستشهدت المؤلفة بقصة سيدة بلغ والد زوجها 80من العمر بعد موت زوجته وابنه وبدأ كل شيء يتعطل فيه وبفعل الشيخوخة والكآبة قرر الأطباء بأنه لن يعيش أكثر من ستة أشهر فقررت أن تحضر هذا العجوز إلى بيتها فكانت تحتضن هذا العجوز وتعتني به فعاش العجوز ست سنوات وقد سألها الطبيب ماذا كنتِ تغذينه فقالت حب وحنان ولمس واحتضان .
آلة الاحتضان
وأشارت المؤلفة إلا أن الاحتضان في الدول الغربية وسيلة مساندة لأي علاج نفسي ولحساسية العلاقة المهنية بين المريض النفسي والمعالج فإن مسألة الاحتضان كانت ومازالت قيد حوار شديد لذا تم اختراع ما سمي بآلة الاحتضان وأن كان البعض يفضل تسميتها آلة الضغط ليبقى الاحتضان حقاً للإنسان ورغم أنها آلة فقد أثبتت فاعليتها، ففي أطفال التوحد والمعروف عنهم التوتر والقلق أن وضعهم بين أيدي آلة الاحتضان خفف عنهم التوتر والقلق بشكل مثير وملحوظ قياسا بأطفال التوحد الذين لم يتم احتضانهم .
ومن جماليات الكتاب إشارته للبحث للتعرف على مفهوم اللمس فأظهر البحث أن لكل إنسان مفهوماً وقائمة أسماء لمعاني اللمس، فهناك قاموس عام نتفق عليه جميعا وقاموس خاص كونه كل إنسان من تجربته وتركيبته عن معاني كل اللمسات التي يتلقاها .
التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له