لا يمكن أن نقول بأن لكل إنسان شماعة، إلا أن الغالبية العظمى لهم شماعاتهم الخاصة بحجم وبمقاسات ثيابهم الحياتية التي غالباً ما تكون مفصلة حسب أطوال وتطلعاتهم في الحياة، والتي تصنعها مجموعة المكونات للشخصية نفسياً واجتماعياً وثقافياً.. إلا أنني لا أستطيع أن أعمم هذه الشماعات على كل المجتمعات، فكما يحتم علينا العقل والمنطق استثناء قلة من كل مجتمع، فلا بد - أيضاً - أن نستثني قلة من المجتمعات العالمية - بوجه عام - وإن كان كل عشة بمخلوقاتها.. وأياً كانت الهزائم النفسية التي تنتج ما يسد الاكتفاء الإنساني يومياً من الشماعات، إلا أن الأمر يكون أكبر فداحة عندما يشترك الأغلبية في صناعة شماعة لهم، اتفقوا لا شعورياً على تصميمها بما يسد احتياجهم الجمعي لتعليق ما بوسعهم تعليقه.. إن أعظم شماعة معاصرة هو الإعلام الذي لا يمكن أن يختلف الخصوم تجاه الإعلام باعتباره لسان العصر البليغ المؤسر وسلاحه الفتاك، فكما يوظف الإعلام سلاحاً موجهاً من أشد الأسلحة العصرية أثراً، فهو - أيضاً - الخط الدفاعي الأول والأقوى لمواجهة المعارك الإعلامية عالمياً.
في عالمنا العربي وفيما يخص ثقافة الصورة تحديداً، أصبحت بعض المحطات الفضائية لا تختلف كثيراً عما يمارسه المراهقون على جدران الأماكن العامة، وجدران الأماكن المهجورة التي يصل ارتفاع الطلاء عليها عدة سنتيمترات لكثرة ما يكتب من عبثيات بعضها فوق بعض.. اللهم أن بعض عبث تلك الفضائيات رتب في أشكال مسارات تسمح لعرض أكبر قدر من العبث بأسرع ما يمكن حتى تستطيع عرض ما يمكنها من (الشخابيط) على مدار الساعة، هذا إلى جانب ما يصاحب هذا الإسفاف والانحدار الإعلامي من عروض تساير هذه المسارات أحياناً وتتقاطع مع أفكارها أحياناً أخرى، حتى تكون بمثابة صورة بيئية تناسب كل من هب ودب إلى عالم الصورة.
من الذين يساهمون في وجود مثل هذه الصورة الصفراء؟! ومن الذي يصنع إعلاماً رخيصاً من هذا النوع؟! لا شك انه المشاهد بالدرجة الأولى، المشاهد الذي لا يزال يدعم بماله ووقته هذا النوع من الغثاء الإعلامي، ولذا فمن اليسير جداً على هؤلاء الذين صنعوا إعلاماً ممسوخاً، أن يجعلوا الإعلام قاطبة شماعة جماعية لكل تقصير ولكل سلبية تظهر هنا أو هناك، بينما يظل في زوايا العالم الفضائي إعلامي عربي يحاول أن يكون وسيلة إعلامية تطل على الآخر، وإعلاماً يسعى جاهداً أن يكون خط الدفاع الأول، تجاه غزو فضائي مفتوح.. إلا أن المشاهد الحقيقي - بوجه عام - غير موجود أمام نوع من هذه الشاشة، والتي تؤكد على أن هناك إعلاماً متهماً بالتقصير، وضع شماعة لتعليق الكثير من العجز الثقافي والاجتماعي، في كثير من مسارات الحياة، والأسوأ والأمر من هذا وذاك عندما يصنف نوع من هذا الإعلام إلى جانب معاول الهدم الفضائية الغازية.