د. حسناء القـنيعـير
عرضت في الجزء الأول من هذا المقال، محتوى كتاب القاعدة (إدارة التوحش)، واليوم أعرض إستراتيجية القاعدة في حربها على بلاد العالم عامة وعلى بلادنا خاصة، ومبررات استهدافهم للبنية الاقتصادية وعلى رأسها البترول! ويبدأ المؤلف المبحث الأول بتعريف إدارة التوحش بقوله: (إن المتأمل في القرون السابقة وحتى منتصف القـرن العشرين يجد أنه عند سقوط الدول الكبرى أو الإمبراطوريات - سواءً كانت إسلامية أو غير إسلامية - ولم تتمكن دولة مكافئة في القوة أو مقاربة للدولة السابقة من السيطرة على أراضي ومناطق تلك الدولة التي انهارت، تتحول بالفطرة البشرية مناطق وقطاعات هذه الدولة للخضوع تحت ما يسمى بإدارات التوحش. لذلك تعرّف إدارة التوحش باختصار شديد بأنها: إدارة الفوضى المتوحشة..)! ثم ينتقل بما يشبه التأكيد للحديث عن إدارة التوحش بقوله: (إدارة التوحش هي المرحلة القادمة التي ستمر بها الأمة، وتُعد أخطر مرحلة فإذا نجحنا في إدارة هذا التوحش ستكون تلك المرحلة - بإذن الله - هي المعبر لدولة الإسلام المنتظرة منذ سقوط الخلافة، وإذا أخفقنا - أعاذنا الله من ذلك - لا يعني ذلك انتهاء الأمر ولكن هذا الإخفاق سيؤدي لمزيد من التوحش..)!!
ثم يعلل التسمية بقوله: (لماذا أطلقنا عليها "إدارة التوحش" أو "إدارة الفوضى المتوحشة" ولم نطلق عليها "إدارة الفوضى" ؟( ذلك لأن) (منطقة التوحش قبل خضوعها للإدارة ستكون في وضع يشبه وضع أفغانستان قبل سيطرة طالبان.. منطقة تخضع لقانون الغاب بصورته البدائية يتعطش أهلها الأخيار منهم، بل وعقلاء الأشرار لمن يدير هذا التوحش، بل ويقبلون أن يدير هذا التوحش أي تنظيم أخياراً كانوا أو أشراراً إلا أن إدارة الأشرار لهذا التوحش من الممكن أن تحول هذه المنطقة إلى مزيد من التوحش) إذن هو يفترض حدوث فوضى في المنطقة حتى يتمنى أهلها أن تدار من قبل أخيار أو أشرار لإقامة الأمن وتحقيقه في ربوعها، وطبيعي حسبما يصور له خياله المريض أن القاعدة هي المؤهلة لإدارة المنطقة لأنهم أخيار وهم وحدهم القادرون والمؤهلون لذلك !!
ثم يسوق عدداً من القواعد التي يعتبرها (إستراتيجية عامة وتصلح كذلك للتخطيط للعمليات الصغيرة:
1- اضرب بقوتك الضاربة وأقصى قوة لديك في أكثر نقاط العدو ضعفاً .
2- إن قيام مجموعة كبيرة بعملية سهلة مضمونة تحتاج فردا واحدا، (ترهب) الأعداء حتى يظنوا أن العمليات القادمة سيتم لها حشد وتفوق عددي مناسب مما يعلي من أسهم المجاهدين إعلامياً ويرجف القلوب من مواجهتهم .
3- إن أقرب وسيلة لهزيمة العدو الأقوى عسكرياً هي استنزافه عسكرياً واقتصادياً عن طريق عمليات عسكرية.
4- اعتماد الشدة! فمن تعلم الجهاد على الورق لن يستوعبه جيدا، ومن مارس الجهاد من قبل، علم أن الجهاد ما هو إلا شدة وغلظة وإرهاب وتشريد وإثخان... ولا يمكن أن يستمر جهاد في ظل الرخاوة .
5- اتباع إستراتيجية دفع الثمن يبث اليأس في نفوس العدو، فأي عمل إجهاضي لمجموعات النكاية من أي نوع ينبغي أن يُقابل برد فعل يجعل العدو يدفع ثمن إجرامه كاملاً حتى يرتدع عن العودة لمثله... فلو قام العدو بعمل عدائي على منطقة في جزيرة العرب أو في العراق فتم الرد عليه في المغرب أو نيجيريا أو أندونيسيا سيؤدي ذلك إلى إرباكه، خاصة إذا كانت المنطقة التي تتم فيها عملية دفع الثمن تخضع لسيطرة أنظمة الكفر أو أنظمة الردة تبعاً لأهداف تحركاتنا العسكرية في مرحلة شوكة النكاية والإنهاك، علينا استهداف أهداف اقتصادية مؤثرة للعدو وعلينا تتويج ذلك باستهداف قطاع البترول حيث إن البترول هو شريان الحياة في الغرب) .
ثم يسترسل في شرح أسلوبهم في مهاجمة أي هدف اقتصادي بقوله: (في المثال التطبيقي الذي سنعرضه هنا سنعرض كيف نقوم بذلك بدون إهدار نفوس أو أموال معصومة، وكيف نتفادى التشويه الإعلامي للعدو حيث سيقوم العدو بحملة إعلامية توجه لنا كل التهم بداية من العمالة إلى العمل على إفقار وإضعاف البلاد اقتصادياً، وسيشارك فيها بالطبع الأحبار والرهبان والطاقم الفذ من قيادات العمل الإسلامي، خاصة أن أمامنا مثالاً سابقًا عندما استهدفت الجماعة الإسلامية بمصر قطاعي السياحة والبنوك، ظهر بوضوح وقتها عدم قدرتها على الوقوف في وجه التشويه الإعلامي على الرغم أنها استهدفت قطاعين ممتلئين بالممارسات المحرمة، فكيف سيكون حال التشويه في استهداف هدف اقتصادي كالبترول، وهو مباح في الجملة، ومستقر في أذهان الناس كونه مصدر رزق مئات الملايين من المسلمين في العالم العربي والإسلامي)
أما أساليب الاستنزاف الاقتصادي فتقوم حسبما رسمها على ما يلي:
(1) تقوم إحدى المجموعات الإعلامية والتي أحد كوادرها متخصص في الدراسات الاقتصادية السياسية بإعداد دراسة تثبت فيها السعر الحقيقي للبترول،... وبيان مدى الإجحاف والنهب الذي عانته الأمة عشرات السنين جراء بخس سعره.
(2) إعلان لجميع الدول التي تحصل على بترول من أراضي المسلمين أن عليها أن تدفع السعر الحقيقي... مع الاحتفاظ بحق المسلمين في المطالبة بفارق السعر عن كامل السنين السابقة!
(3) إعطاء مهلة مناسبة لبيان مدى التجاوب مع البيان واتخاذ خطوات جدية وإلا سيتم ضرب المنشآت البترولية خاصة الأنابيب أو الناقلات .
(4) إيصال الدراسة الاقتصادية لأكبر قدر من النخب الاقتصادية والسياسية والإعلامية في العالم، ليعلم الجميع مدى الظلم الذي ألحقوه بالشعوب الفقيرة في أمتنا، وكذلك لتشجيع الدول البترولية في غير منطقتنا الإسلامية على رفع سعر البترول بدورها). ونلاحظ أن خطتهم المرسومة تقوم على تعبئة إعلامية ليكسبوا تعاطف الإرهابيين لينخرطوا في صفوفهم، ثم البسطاء من الناس الذين يسهل خداعهم بمثل هذا الطرح، خصوصا قوله إنهم لن يهدروا نفوسا أو أموالا معصومة، وهو محض افتراء، أوليس الذين يعملون في المنشآت البترولية ويحرسونها ذوي أنفس معصومة؟ وماذا عن البترول؟ أليس البترول مال مسلمين؟ كيف يجوزون لأنفسهم استهدافه؟ ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم (كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه)؟ كما نلاحظ أنهم خططوا مؤخرا لمهاجمة المنشآت البترولية قبل التعبئة الإعلامية التي يزعمها المؤلف، فهل تغيرت الخطة فلم يروا حاجة لذلك؟ ولم يعد يعنيهم كسب المعركة الإعلامية في التعبئة العامة؟ والأسوأ من ذلك قوله (أما البيان فينبغي أن يصل إلى كل بيت في أمتنا وبأي طريقة ممكنة حتى لو تطلب الأمر خطف مدير أو مهندس صليبي... ولا يطلق سراحه إلا بشرط إعلان البيان في الصحف وقنوات التلفاز كاملاً، كذلك يمكن أن يكون المخطوف صحفياً غربياً ونحو ذلك ممن يتيسر خطفه، إذا كان خطفه يخدم الخطة الإعلامية المتعلقة بهذه العملية، ويمكن أن يكون بدلاً من عملية الخطف القيام بأي عمل يمكن أن يشد أنظار العالم ويجعله متشوقاً لسماع البيان الذي سيلي ذلك العمل)!!! وليس أسوأ من الخطف إلا القيام بعمل إرهابي يستهدف مناطق البترول كما كان يخطط الذين قبض عليهم مؤخرا. ثم يعود ليؤكد أن غايتهم ليست في المطالب السابقة (ولكنها على الأقل ستعمل على رفع سعر البترول لتغطية نفقات الحراسة، بل ونتوقع ارتفاع سعر إضافي جراء الأزمة السياسية التي ستحدثها العمليات، قبل وبعد وفي ذلك مكسب إعلامي جيد أننا رفعنا سعر البترول بمجرد بيان ثم رفعناه مرة أخرى ببعض العمليات المحدودة تجاه أهداف بترولية ضعيفة التأمين)!!! إن ما وضع من خطط إرهابية تهدف فيما تهدف إلى رفع أسعار البترول، فيما أسعار البترول ارتفعت على نحو غير مسبوق، وكل مخططاتهم لاستهدافه باءت بالفشل، مما يؤكد تخبطهم وإصرارهم على الإضرار بالمسلمين واستهداف اقتصادهم وأمنهم ودمائهم .
ثم يعود ليكرر أن كل ما سبق قوله ليس مهما، بل المهم حسب زعمه هو أن المسؤولين عندما يكثفون الحراسة الأمنية على المنشآت البترولية، سيؤدي ذلك إلى استنفار كل القطاعات الأمنية مما يؤدي إلى خلو المناطق البعيدة من القوات والحراسة، أو توجد فئات ضعيفة التأهيل( يسهل مواجهتها إذا لزم الأمر، ويسهل تجنيد الشعوب في وجودها باتفاق غير مكتوب، فنحن لا نعقد عهداً أو اتفاقاً مع جنود وضباط أنظمة الردة، ولكن لن نتعرض لهم بالقتل إذا تركونا نتدرب وندعو ونجنِّد بحرية ..، نبدأ بتخيير القوات الضعيفة بين القتل أو الانضمام لنا أو الفرار وترك السلاح، ويتركون لنا إدارة المناطق التي ستكون قد بدأت تعاني من ضعف السلطات فيها وقد انتشرت فيها العصابات وعدم الأمان والذي ينبغي علينا أن نعمل على علاجه وإدارة هذا التوحش). إذن الهدف واضح وهو التمدد في المناطق البعيدة والأطراف التي يعتقدون أنها ستخلو من الجنود وضباط الأمن ؛ لأنهم حسب زعمه سيتركزون في المناطق البترولية لحمايتها من تهديدهم، وستترك باقي المناطق دون حماية أو بحماية ضعيفة حتى تعم الفوضى فيستطيعون التغلغل فيها لإكمال مخططاتهم!!! ومن هذا يتضح أن استهداف مناطق البترول ليس هدفا بحد ذاته بل وسيلة لإفراغ المناطق البعيدة والأطراف من القوات حسب تصورهم الساذج، وعند ذلك يتصرفون بحرية .
ومن أهدافهم الرئيسية لمرحلة "شوكة النكاية والإنهاك" :
1- إنهاك قوات العدو والأنظمة العميلة لها وتشتيت جهودها والعمل على جعلها لا تستطيع أن تلتقط أنفاسها.
2- جذب شباب جدد للعمل الجهادي عن طريق القيام كل فترة زمنية مناسبة من حيث التوقيت والقدرة بعمليات نوعية تلفت أنظار الناس، (أقصد بعمليات نوعية هنا أي العمليات النوعية المتوسطة على غرار عملية بالي والمحيا وجربة بتونس وتركيا والعراق، ولا أقصد عمليات نوعية على غرار عملية سبتمبر، والتي شغل التفكير فيها قد يُعطل عن القيام بالعمليات... فضلاً على أنها في الغالب قد تحتاج إمكانيات ودعم وتغطية لا تتوفر في الغالب إلا عن طريق القيادة العليا، بينما عمليات على غرار بالي والمحيا لا تنتظر مشاورة القيادة العليا لكونها أذنت بها مسبقاً). أما الدول المرشحة لإرهابهم فهي الأردن وبلاد المغرب ونيجيريا وباكستان وبلاد الحرمين واليمن .
وأما من مقومات الترشيح لهذه المناطق المستهدفة فهي:
- وجود عمق جغرافي وتضاريس تسمح في كل دولة على حدة بإقامة مناطق بها تدار بنظام إدارة التوحش.
- وضعف مركزية القوات على أطراف المناطق وعلى مناطق داخلية أحيانا خاصة المكتظة.
- وجود مد إسلامي جهادي مبشر في هذه المناطق.
- طبيعة الناس في هذه المناطق، فهذا أمر فضل الله به بقاعاً على بقاع.
- كذلك انتشار السلاح بأيدي الناس فيها.
ومن تصاريف الأقدار المبشرة - بإذن الله - أن أغلب الدول المرشحة في جهات متباعدة مما يصعب مهمة أي قوات دولية في الانتشار في مساحة واسعة في عمق العالم الإسلامي.
إذن هذه هي أهداف الإرهابيين وخططهم الإجرامية المعلنة التي تستهدف بلادنا، معولة على وجود دعم لوجستي وتعاطف من فئات معروفة في المجتمع لها ثقلها المادي والمعنوي، علاوة على التقصير في برامج الشباب وتوعيتهم!
إن القبض على ما مجموعه خمسمائة إرهابي، يعد مؤشرا خطيرا ينبئ بتزايدهم مستقبلا مالم نسارع إلى التغيير، الذي يجب أن يبدأ من القاعدة وليس من القمة، بجعل التعليم والمعلمين أرض الانطلاق نحو التجديد الفكري والثقافي، التعليم الذي يجعل الحبّ، حبّ الله والناس والوطن عقيدة راسخة في أذهان الطلاب، وهو التعليم الذي يمجد الحياة ويحض على التوازن بين الدنيا والآخرة، لا التعليم الذي يكره الحياة ويمجد الموت العبثي، ثم لابد من تنشيط المناخ الثقافي وإثراء الحياة الثقافية واطلاع الأجيال على المنجزات الإنسانية حتى تتنوع المصادر التي يستقون منها معارفهم، يجب استئصال رؤوس التطرف والتشدد ومتابعتهم وإبعادهم عن مراكز القرار، فلكي يستقر الوطن ويأمن المواطنون لابد من قطع رأس الأفعى وكشف فكر زعماء الكراهية، الذين يظهرون مالا يبطنون ويراوغون في إدانة الإرهاب، وفضح زيفهم ونفاقهم ومراوغتهم فالمرحلة لا تحتمل أنصاف الحلول.
عندما نتحدث عن الأجواء المسؤولة عن تفخيخ عقول بعض الشباب وتهيئتهم ليصبحوا لقمة سائغة في أفواه الوحوش الكاسرة التي احترفت الإرهاب وأخذت على نفسها عهدا مع الشيطان للفساد والإفساد في الوطن أرضا وثروة ومكانة واستقرارا ووحدة، ينبري كثير من المدافعين تكذيبا وتشكيكا وتضليلا، فماذا عساهم أن يقولوا اليوم وقد ظهرت الأهداف واضحة جلية مع القبض على خمسمائة متورط؟؟ مدفوعين بغايات واضحة معلنة لا مجال فيها للشك.
وأخيرا "وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون" صدق الله العظيم .