للعلامة أبي زيد عبدالرحمن بن محمد بن خلدون فلسفة خاصة في مجال الحكم على مدى صدق أحداث التاريخ ورواياته من عدمه. هذه الفلسفة تكمن في عرض تلك الأحداث على ما سماها "طبائع العمران البشري"، فإن تماهت مع تلك الطبائع قُبلت، وإن لم تتماهَ رُفضت غير مأسوف عليها.
وكانت آلية رواية الأخبار والأحداث التاريخية قبل ابن خلدون، والتي استمرت أيضاً بعده عندما لم يُقدر للفكر العربي أن يستصحب فلسفته كمفردة تنوير نادرة في سيرة ذلك الفكر، تعتمد على مجرد التأكد من تحقق شروط معينة في رواة التاريخ، هي، بطبيعتها، شروط ذاتية أكثر منها موضوعية. بل إنها، أي تلك الشروط الذاتية، لا تخرج، في الغالب، عن التحقق من تماهي الرواة مذهبياً مع مذاهب مدوني الأسفار التاريخية من عدمه.
ومما زاد من سلبية الطريقة "الشفهية" غير التحققية في رواية التاريخ العربي، أن الشروط الذاتية التي وضعها المؤرخون في رواة الأخبار، حتى مع ذاتيتها، لم تكن بتلك الصرامة النسبية! التي كانت عليها الشروط التي وضعها المُحدِّثون لقبول روايات الأحاديث النبوية. من العدالة والضبط والصدق وانتفاء الوهم في الرواة. ولذلك فقد عزف المؤرخون عن تطبيق شروط أهل الحديث، حتى مع ذاتيتها هي الأخرى، بحذافيرها في رواة التاريخ لأسباب عدة، لعل أبرزها ما صرح به أحد أولئك المؤرخين بقوله: "إننا لو طبقنا معايير المحدثين على رواة التاريخ لذهب أكثر التاريخ الإسلامي!".
وبسبب من ذلك أيضاً فقد كثرت روايات المؤرخين عن أناس لم يكونوا معروفين بالتحري والدقة والعدالة والضبط. حتى إن الحافظ بن حجر أطلق على بعض رواة التاريخ كسيف بن عمر التميمي وابن الكلبي عبارة موحية هي: (أن كلاً منهم عمدة في التاريخ). في الوقت الذي يُجمع فيه أهل الجرح والتعديل، بمن فيهم ابن حجر نفسه، على أن هذين الراويين التاريخيين، سيف بن عمر وابن الكلبي، هما من المتروكين في رواية الحديث. وغاية ما يريده ابن حجر وغيره من أئمة الجرح والتعديل من إطلاق مثل تلك العبارات، كما يقول الأستاذ حسن بن فرحان المالكي، أن يشيروا إلى أن أولئك الرواة التاريخيين يعتبرون "كباراً" من ناحية جمع المادة التاريخية وكتابتها فقط، بغض النظر عن صدقها من عدمه. لكن ذلك لا يعني توثيقهم في الرواية. مما جعل أهل تلك الصناعة، أعني أئمة الجرح والتعديل، لا يقبلون روايات أناس مثل سيف بن عمر وابن الكلبي في مجال رواية الحديث النبوي. لكن ذلك الضعف فيهم من ناحية العدالة والضبط، لم يمنع كبار المؤرخين من النقل عنهم. لأنهم لم يعبأوا، حينها، بأن يكون الحدث التاريخي ممكن التحقق من الناحية الاجتماعية - الطبيعية من عدمه.
وجملة الشروط الموضوعية التي حاول ابن خلدون أن يدشنها في بنية الثقافة العربية لنقد الروايات التاريخية، ترتد إلى معيارين أساسيين هما: أولاً: مدى اتساق الأحداث التاريخية التي ترويها تلك الروايات مع السياق الشامل للاجتماع البشري الذي حدثت فيه، ليُرى إن كان ثمة توافق مع طبائعه أم لا من ناحية. وثانياً: مدى اتساقها، أو بعضها، مع قوانين الطبيعة الصارمة من عدمه من ناحية أخرى.
لقد كان من آثار عدم استصحاب هذين المعيارين في رواية التاريخ العربي أن تضخمت المدونات التاريخية بأحداث لا يمكن أن يقبلها إلا العقل المستقيل. سواءً من ناحية تعارضها مع طبائع السياق الاجتماعي الذي حدثت فيه. أو من ناحية خرقها لنظام الطبيعة نفسه. مما أفسح المجال لظهور ما يعرف بالكرامات التي تعتمد، أول ما تعتمد عليه، على خرق نظام الطبيعة الذي خلقه الله تعالى وفق نظام صارم لا يتغير ولا يتبدل (سنة الله التي خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً).
لذلك نجد ابن خلدون شديد النقد لذلك المنهج في رواية التاريخ الذي لا يراعي قوانين الاجتماع البشري، أو طبائع العمران البشري بلغته هو. حيث يقول في خطبة (كتاب العبر): "وإن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها وسطروها في صفحات الدفاتر وأودعوها، وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل وهِموا فيها أو ابتدعوها، وزخارف من الروايات المُضعَفة لفَّقوها ووضعوها، واقتفى تلك الآثار الكثير ممن بعدهم واتبعوها". ثم يضيف، كتطبيق لمعيار عرض الأخبار على طبائع العمران البشري: "وأدَّوها (أي المؤرخون للأحداث التاريخية) إلينا كما سمعوها، ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها، ولا رفضوا تُرَّهات الأحاديث ولا دفعوها. فالتحقيق قليل وطرف التنقيح في الغالب كليل. والغلط والوهم نسيب وخليل". ولأن ابن خلدون كان مُطَّرداً مع ما كان يدعو إليه، فقد لمز المؤرخين العرب من طرف خفي بقوله: " هذا وقد دوَّن الناس في الأخبار، وأكثروا وجمعوا تواريخ الأمم والدول في العالم وسطروا، والذين ذهبوا في الشهرة والأمانة المعتبرة قليلون مثل ابن إسحاق والطبري وابن الكلبي والواقدي وسيف بن عمر". لكنه، أي ابن خلدون، ختم العبارة، الموحية بمدحهم، بنقد واضح لمن يقرأ مقدمته بعناية، متمثل بقوله: "والناقد البصير قسطاس نفسه في تزييفهم فيما ينقلون أو اعتبارهم، فللعمران البشري طبائع في أحواله تُرجَع إليها الأخبار وتُحمَل عليها الروايات والآثار".
وفقاً لذانك المعيارين اللذين دشنهما ابن خلدون، وأسس، وفقاً لهما، فلسفة جديدة لنقد الروايات التاريخية، فقد تعرَّض في(المقدمة) لنتف من تلك المرويات التي لا يصح، وفقاً لطبائع العمران البشري، وهو مصطلح يوافق مصطلح (قوانين الاجتماع البشري) بلغتنا الحاضرة، أن تُروى، ناهيك عن أن تُصدَّق. فقد نقل عن (المسعودي) صاحب (مروج الذهب) مثلاً أنه ذكر أن جيش بني إسرائيل الذي كان مع موسى عليه السلام في التيه قد بلغ عدده ست مئة ألف أو يزيدون. ثم نقد الخبر، وفقاً لطبائع العمران، بقوله " ويَذهل في ذلك(أي المسعودي ومن وافقه من المؤرخين) عن تقدير مصر والشام واتساعهما لمثل هذا العدد من الجيوش". ثم يضيف: " ثم إن مثل هذه الجيوش البالغة إلى مثل ذلك العدد يُبعد أن يقع بينها زحف أو قتال لضيق مساحة الأرض عنها وبعدها إذا اصطفت عن مدى البصر مرتين أو ثلاثاً أو أزيد".
ولعل ما سكت عنه ابن خلدون، ربما بسبب من أشعريته، أن علة العقل العربي في قبوله للمرويات الخارجة عن محكمات العقل وقوانين الطبيعة، تكمن في فصله، بنيوياً، بين الأسباب والمسببات التي تتداخل فيما بينهما بعلاقة عضوية صارمة لا تحدث الأخيرة فيهما إلا بعد أن تسبقها الأولى. ولذلك فلم يُعد يستنكر هذا العقل أن يحترق القطن بدون أن تمسه النار، أو أن تشتعل النار في القطن ولا يحترق. هذا كان في سابق عهده. أما في حاضره، وبسبب من بنيوية ثقافة ماضيه، فلم يعد يستغرب، ناهيك عن أن ينكر، أن يستطيع حفنة من الحفاة الرعاة في جبال أفغانستان أن يسقطوا أحدث ما أنتجته التكنولوجيا الغربية من طائرات عملاقة برميها بكف من تراب!!. وبسبب من تلك البنية أيضاً، فقد راجت، ومازالت، الكتب التي تتحدث عن كرامات "المجاهدين" في جبال الشيشان والأفغان وسهول العراق. نتذكر منها كتاب: "آيات الرحمن في جهاد الأفغان" لعبدالله عزام، الذي كنا نقرأه في التسعينات الميلادية ونحن في غاية الاستغراب أن يُجهد الغرب نفسه في إنتاج الأسلحة الحديثة التي لم تكن تلبث أن تتلاشى أمام كرامات "المجاهدين" من على جبال أفغانستان، كما هي الفراشات التي تتهافت على الانغماس في النار المشتعلة. وهي البنية نفسها التي تسوق الأغرار حالياً إلى حيث مصيدتهم في العراق. ولقد كنت في غاية الألم وأنا أقرأ تصريح أحد آباء أولئك السذج الذين رحلوا إلى العراق بأن "ابنه بيع في سوق النخاسة هناك بمئتين وخمسين دولاراً فقط". وهو الذي رحل إلى هناك على أمل أن يتمكن ومن معه من صبية أغرار أن "يجاهدوا" قوات التحالف بأعواد الجريد وسعف النخل وبندقية منقاش!!