الحرب الباردة كانت تتم فقط بين الكبار عندما استطاع الاتحاد السوفييتي في الستينات إرسال قمر للفضاء لتعلن حالة الطوارئ في كل أمريكا وحلف الأطلسي لدراسة أسباب تخلفهما عن حلف وارسو، حتى إن الموضوع لم يقتصر على الاستراتيجية العسكرية، وإنما لتغيير المنهج التربوي برمته باعتباره مصدر العلماء والطاقات الفاعلة في أي انجاز مضاد..
في منطقتنا، وعلى حوافها يجري سباق للتسلح بين إيران وإسرائيل، فالأولى جاء ردها على تمارين أمريكا البحرية، بإطلاق صواريخ بالستية، لترد إسرائيل بالكشف عن طائرة تجسس خصصت لإيران وبدون طيار، وبوجود هذه المناورات الساخنة يبدو أن الجميع يحاولون لعب دور الضاغط على الآخر، وكل يؤدي دوره باتقان وفق رؤيته الخاصة، ومع أن القوة الأمريكية - الإسرائيلية بالمعادلات المتعارف عليها أكبر، وأكثر تقنية من حيازات إيران، إلا أن ذلك لا يخضع لمن يكون الأكثر إيذاءً للآخر حتى بمحدودية قوته، وقد رأينا تجارب حدثت في فيتنام وأفغانستان وحتى لبنان كيف تراجعت قوة الدولة الأعظم والأكبر أمام إصرار كفاح الشعوب، لكن في حال استخدام أسلحة فوق التقليدية، وهي ما تشير إليه إسرائيل بتدمير كل إيران يجعل الأمور مختلفة، وهنا لابد من قياس نبض التهديد بالحرب إلى الوسائل التي ستستخدمها أي من هذه الأطراف، ومدى الأضرار التي ستلحق بالدول المحيطة بالمتحاربين ولا نعتقد أن المجابهة، لو حدثت، بأساليب غير تقليدية ستكون نجاحاً عسكرياً إذا أدركنا أن أحد المحرمات القانونية والعالمية أن تتحرك هذه الأسلحة من ضاغطة ورادعة، إلى التدمير المباشر..
دعونا نفترض أن من يدير المعركة الباردة الراهنة بين قادتها من يملك مغامرة متهورة، ورؤية مطلقة بالانتصار، وحتى في الحروب وخططها توجد أحياناً أوهام تجر للأخطاء الفادحة، ولعل أخطرها كيف يصمد اقتصاد بلد ما، غنياً، أو متوسط الدخل على أكلاف حرب طويلة إذا ما صارت حسابات الساعات شهوراً ثم سنيناً، وإسرائيل، تحديداً، اعتمدت في انتصارها بحروبها مع العرب، على الضربات السريعة، ونقل الحرب إلى أرض الخصم، وهي بتباعد المسافة مع إيران، ربما تفترض هذا الأسلوب، والذي جربته بضرب تونس، ومفاعل تموز بالعراق، لكن كلتا الضربتين لم تكونا في زمن متغير، أي أن إيران لديها صواريخ تستطيع الوصول إلى إسرائيل، وهناك جوار حزب الله الذي سيكون خط النار الآخر، وحتى بحياد دول أخرى فإن المعادلات التي تكتب وترسم على الورق، قد تواجهها مفاجآت غير متوقعة..
دول المنطقة ستكون جزءاً من الأهداف، لكن كيف ستكون الأضرار، ومن سيدخل المعركة حتى لو لم يكن شريكاً باللعبة الخطرة، لا يبدو أن الذين يفكرون بهذه الحرب يقدرون النتائج ومخاطرها، وأسوأ الاحتمالات أن تطال المعركة مصافي ووسائل انتاج النفط في كل دول الخليج، فهنا لن يأتي الضرر فقط على هذه الدول وإنما الزوبعة ستعم العالم كله، ونعتقد أن أوروبا، كحليف لأمريكا، ورادع لإسرائيل لأي مغامرة، ومحاور مقبول مع إيران، عليها أن تدرك أن اللعبة تتجاوز أمن إسرائيل أو بقاء أمريكا في العراق والخليج، أو انتاج قنابل نووية إيرانية، إلى دمار اقتصاد عالمي لن يكون مستعداً لقبول مثل هذه الضربة، إذا ما تعدت الأهداف المرحلية إلى ضرر كوني.