نملك المال.. ونعيش أزمة كهرباء وماء!!
منذ أسابيع وعدد من مدننا يعاني من شح المياه وانقطاع الكهرباء لفترات طويلة من ساعات النهار، ومع ارتفاع حرارة الصيف وتحذير شركة الكهرباء من ارتفاع الأحمال برزت المخاوف من استمرار تلك الحالة خلال شهر رمضان! فما يحدث ما هو إلا نتيجة طبيعية لتجاهل قديم لتطوير قدرات الجهات المسؤولة عن توفير المياه والكهرباء! فقد نسينا انتهاء العمر الافتراضي لمحطة تحلية جدة واعتقدنا بان شركة الكهرباء هي المسؤولة وحدها عن توفير الكهرباء وان عليها تدبير أمرها! حتى إننا رفضنا التجاوب مع مطالباتها لتقديم أوقات الاختبارات لمدة أسبوعين لتوفير (6) مليارات ريال على الرغم من أن هذا الفصل كان أطول من المعتاد! بل إن استمرار عمل المدارس بعد الاختبارات تسبب في ارتفاع الاستهلاك بالمدن وعدم المغادرة للمصايف! كما أن مصانعنا لم تفكر في التغيير لأوقات العمل ليومي الخميس والجمعة كبديل للسبت والأحد مثلاً التي تشهد ذروة في الاستهلاك! فالمشكلة اعتبرت خاصة بالكهرباء وأصبحت الجهات المسؤولة عن توفير الكهرباء والمياه تنتظر حدوث أزمات كبيرة لتلفت الانتباه للنقص في الإمكانات ليتم دعمها!.
إن مطالبتنا للجهات المسؤولة عن توفير المياه والكهرباء يجب أن ترتبط بما يتم تقديمه لتلك الجهات من موارد تمكنها من القيام بمهامها، ومتى ما توفر ذلك فان المسؤولية تقع على تلك الجهات باعتبار أن حدوث أي أزمات يعبر عن فشلها في إدارة مرافقها! ولان الدولة تعيش في طفرة مالية كبرى سأطرح ما دار في لقاء سابق جمع مسؤولي هذه الجريدة بالرئيس التنفيذي لشركة الكهرباء حيث قدمت الشركة عرضا موجزا للخطط المستقبلية لمواجهة الاحتياجات الكبيرة للكهرباء وخصوصا حتى عام 2015م كمرحلة أولى من خطه كبيرة تحتاج لضخ المزيد من المبالغ لتوفير طاقة جديدة للكهرباء تتجاوز تكاليفها التقديرية (حسب ما اذكر) ال(170) مليار ريال، وهو مايجب علينا تدارك أهميته والبحث مبكرا مع إدارة الشركة عن الوسائل الممكنة لتدبير تلك التكاليف للإسراع في تنفيذها، فالواضح أن الشركة ستعجز عن توفير ذلك المبلغ خاصة وان قيمة الاستهلاك محدد من الدولة وبدون التفريق في التسعير بين الاستهلاك السكني والتجاري والحكومي.
كما أن الظروف المعيشية حاليا للمواطنين لاتسمح برفع قيمة الاستهلاك، ولذلك فانه أمام تلك التحديات التي تواجه الشركة ولكون الدولة ومؤسساتها تمتلك الحصة الكبرى بالشركة، فانه قد يكون من المناسب مشاركة صندوق الاستثمارات العامة في دراسة خطط الشركة القادمة والتكاليف المتوقعة لها وتحديد برنامج محدد لتنفيذ تلك المشاريع من خلال تقديم مبلغ مالي كقرض يمكن أن يحول لأسهم تزيد من حصة الدولة بالشركة فتصبح تلك المبالغ استثمارات وليست نفقات استهلاكية! فهنا تستفيد الدولة ونضمن استمرار الشركة في تقديم خدماتها.
وهذا الأمر لايقتصر فقط على الكهرباء وإنما يشمل أيضا المياه، فخلال الطفرة الحالية اعتمدت مشاريع جديدة للماء والكهرباء لإيصالها للعديد من الهجر والمخططات بمدننا، فتوسعنا في إيصال الخدمة ولكن لم نتوسع في إيجاد مصادر جديدة لها، وأدى ذلك الى استمرار الشكوى من انقطاع الكهرباء والماء لأسابيع طويلة!.
كما ان معظم المشاريع الجديدة التي تعتمد تغيب عنها النظرة الإستراتيجية، فتلك المشاريع عبارة عن توسعات كبيرة لمحطات قائمة سواء للكهرباء او لتحليه المياه (كأقل تكلفة) وبالاعتماد على محطات توزيع رئيسية قائمة وفي مكان واحد تبعا للموقع الجغرافي او الجدوى الاقتصادية وبدون الأخذ في الاعتبار التعدد المطلوب للربط بينها! وهو الأمر الذي قد يمنع (وقت الازمة) من الاستفادة من إمكانيات كبيرة متوفرة في موقع واحد بسبب عائق طارئ يتسبب في حرمان مدن كبرى او مجموعة مدن من تلك الخدمات الأساسية، فعلى سبيل المثال نرى ان توفير المياه لمدينة الرياض حاليا يتم من محطة التحلية بالجبيل عبر الخطين (A.B) وجزء من الخط ( C).
ولمواجهة مشكلة زيادة الطلب على المياه بالعاصمة فانه يجري حاليا التجهيز لتوسعة محطة الجبيل لإضافة خطين آخرين (D وE) وجميعها ستتجه لمحطة توزيع رئيسية واحده للخلط مع مياه الآبار ثم ضخها للرياض، وهنا نجد أن هناك توجهاً لحل المشكلة بشكل سريع ولكن ماذا نتوقع لو - لا قدر الله - حدث تسرب لناقلة نفط قرب المحطة بالجبيل يستدعي إيقاف المحطة او أوقف العمل بالمحطة لأعمال تتعلق بالصيانة والإصلاح! هل نعلم حدود الأزمة التي يمكن أن تقع لسكان العاصمة إذا كانت المياه تأتي فقط من الخليج؟ حتى وان كانت من مواقع متعددة! كذلك فإن خطط الأجهزة الحكومية تفترض توفر الطاقة الكهربائية والمياه، ولذلك فان عدم توفر احدهما سيفشل كل الخطط والجهود التي تبذل! ويجب أن نتذكر بأننا في وقت الأزمة ننفق المليارات كقيمة مضاعفة لحل الأزمة وبشكل مؤقت ولإنقاذ الموقف فقط لتمر الأزمة بسلام!.
ولذلك تبرز الأهمية لاستغلال هذه الطفرة لإنشاء محطات جديدة للكهرباء ومحطات توزيع مرتبطة بأكثر من محطة وفي مواقع مختلفة، فنحن خلال العشرين سنة الماضية اعتمدت مدننا على المحطات التي أنشأت خلال سنوات الطفرة السابقة، كما في الجانب الآخر يجب أن تعتمد مشاريع جديدة بميزانية المؤسسة العامة لتحلية المياه لإضافة محطات تحلية رئيسية للمدن الكبرى التي ستوفر طاقة كهربائية ايضا، وبحيث نعمل على إحداث ربط بين المناطق للمياه مثلما تم للكهرباء، فالربط المائي بين الرياض وجدة يمكن أن يوفر المياه لأي منهما، مع العمل على دعم مشاريع تحديث خطوط التغذية والتوزيع لتلافي أي انكسارات تحدث بها بسبب سرعة تلفها، وان لا نؤجل تلك الاعتمادات بسبب العزم على تخصيص المؤسسة العامة للتحلية، فالتخصيص سيأخذ في الاعتبار أي إضافات تتم لأصول المؤسسة!.
وأخيرا فإن الذي يجب أن نركز عليه عند بحث أي أمر يتعلق بالحياة المعيشية هو أن قيمة تلك الحياة لا تقدر بأي ثمن، وانه يجب أن لاتقف التكلفة المالية عائقا أمام تحقيق متطلبات تلك الحياة، فنحن نعيش طفرة تحقق بها الدولة فوائض كبيرة كل عام ويجب استغلالها لتأمين متطلبات معيشية لمستقبل سكان مدننا! فمن يركز على التكلفة المالية لوحدها حالياً وفي شان مهم للحياة كالصحة والكهرباء والماء ..الخ سيرتكب خطأ جسيما بحق هذا المجتمع، فنحن نتحدث بالمليارات ولنفقات اقل أهمية من تلك المتطلبات! فالقرار إما أن يتخذ لمساعدة جهاتنا الخدمية على تأدية مهامها وتلافي الوقوع في أزمات تتعلق بخدمة أساسية كالكهرباء والماء وإما أن يكون معوقا وعقبة أمام تنفيذ خطط نكتشف أهميتها بعد الوقوع في أزمة!.