كان (كمساري القطار) قد حفظ وجوه الركاب عن ظهر قلب..وكان يوميء لي باسماً متنقلاً بين مقاعد السعداء،،!
أشكرك، ياعزيزي (الكمساري).. فها أنت تثق في إنسان لم تره قط!..
كانت هناك اختنا تفصفص حبات التمر وتعجنها بالسمن والدخن لزوم (العريكة).. مؤكد أن هذا التمر ينتمي إلى تلك النخلة التي هزتها مريم فتساقط على فم الحياة رطباً جنياً..
وذكرتني يا (كمساري السعادة) بأيام (خط البلدة) و(الانيسات) التي تلت أوتوبيسات (هلال العمري)!.
كان (الكمساري) يعرفني.. وقد حلف ايماناً مغلظة أن لا أدفع ال (أربعة قروش).. ويومها كانت أكبر من الريال يابدر.. وكنت مخبراً - تحت التمرين - في (صاحبة الجلالة) الصحفية، أنخل الأرض نخلاً أبحث عن (الأخبار)، لأشقح بها (العتبة) وأدخل في زمرة المحررين.. وكنت أنا وزملائي.. بيني وبينك - نؤلف بعضها و(نلحنه) لنرضي سعادة رئيس التحرير...
كانت (الأنيسة) ممتلئة البطن بالركاب تجاوزت شهرها التاسع، لكن الكمساري أراد أن يعوِّض ال (أربعة قروش) التي ضيفني بها من راكب اضافي وضعه في حجءري..!
اغتظت.. وتحمست بعد أن أنستني طبيعة المهنة انني (راكب بلاش).. ونددت وشجبت وابديت استيائي لهذا (الجشع)، وحرضت الركاب على الاحتجاج، فحمي الوطيس، واشتبك الجميع، حتى لا تكاد تعرف الضارب من المضروب!..
تذكرت (ضيافة الكمساري).. كانت عيونه (وارمة).. حاجة تكسف.. صحت بأعلى صوتي:
- (على جنب.. على جنب)!
ونزلت.. ولمّا تزل عيون المذكور اعلاه معلقة بشخصي الكريم وكأنه يقول:
- معليش.. نردها لك في الأفراح!
وطبعاً تركت ساحة القتال وقد حمي الوطيس وأشعلت الحرب نارها واشتد أوارها!
من حسن الحظ انني قطعت لرحلة السعادة تذكرة، فمن المؤكد ان هذا (القطار) لن يتوقف حتى لو صحت بأعلى صوتي: (على جنب)!
صحيح أن (كمساري الأنيسة) قد فقد وظيفته يابدر، وكان عليه أن يكون ممتناً لي.. فلو لم يترك (خط البلدة) بعيون (وارمة) لما أصبح اليوم يجلس متربعاً في غرفة القيادة..
@@@
قلت لواحدة من بنات العائلة:
- ابتسمي.. فإن وجهك الجميل لا تناسبه هذه (التكشيرة).. أنسيت أننا في (الإجازة)؟!
قالت: لكنها ستنتهي (ياعمُّو) وستبدأ الدراسة بعد العيد..!
قلت: تذكري (العيد)، والعام الجديد..
اتركي هذه (الأنيسة) واحلمي بمقصورة القيادة.. لنحلق (بجناحيك) في الجو.. وسترين من فوق (فتى الأحلام) يمدُّ عنقه اليك ويردد:
"فوق النخل فوق..
يابا فوق النخل فوق..
مدرى لمع خدك..
يابامدري القمر فوق
والله قاتلني..
بعيون من فوق"!
ضحكت البنيَّة: هذا حلم ياعمُّو..
قلت: إن رؤساء التحرير ووزراء الإعلام كانوا يوماً ما صحفيين تحت التمرين.. وإن كمساري (الانيسة) هو الذي ينطلق بنا اليوم في قطار السعادة!
قالت: لكن.. هل تظن أن (فارس الأحلام) يمكن أن يركب (طائرة) أو (باخرة) تقودها أنثى"؟!
قلت: وهل سمعت راكباً يسأل قبل الاقلاع أو الإبحار عن اسم (الكابتن) أو (القبطان)!؟!
قالت: لا لكنه سيكتشف أثناء الرحلة.
قلت: فهل سمعت راكباً يصيح في الجو - أو في عرض البحر.. قائلا: (على جنب)؟!