منذ تفجيرات مايو الإرهابية وحتى الحادثة الأخيرة للقبض على 700إرهابي قدمت عشرات الإجابات حول أسباب نشوء الإرهاب. ولكن للأسف أن هناك عدداً كبيراً من هذه الإجابات،التي مازالت تردد لحد الآن، يمكن وصفها بالمضللة والمضرة. وخطورة هذه الإجابات تكمن في محاولة ترويجها بين الناس وإقناعهم بها.
تتحدث هذه الإجابات (التي تقال ربما أحيانا بحسن نية) على أن الإرهابيين مجموعة من المجانين، ومع ما في هذا الوصف من تحقير إلا أنه في الحقيقة مضلل ويبعث برسالة خاطئة للناس. هذا الوصف يريد أن يقدم صك براءة للتفكير المتعصب الذي يدفع الأشخاص ليكونوا إرهابيين ويضع كل المسألة على علة صحية غير صحيح أنها هي السبب. وهناك من يقول إنها أحقاد نفسية وهذا غير صحيح أيضا. هناك مئات الذين لديهم مشاكل عقلية ونفسية ممن يراجعون المستشفيات ولم يختاروا أن يفجروا أنفسهم في عمليات إرهابية. خطورة هذه التسمية في استقبال الناس لها، فمادام من قام بهذه العمليات مجانين فإن الشخص يعتقد أن أولاده المتعصبين فكريا ولكن المعتدلين عقليا ونفسيا بعيدون على أن يكونوا في يوم ما إرهابيين. وهذا أمر غير صحيح. بل ان التطرف الفكري، الذي يمثل نسخة متخلفة من التفكير، هو الذي يقود، وليس الجنون أو المرض النفسي ليتحول الشخص إلى إرهابي أو متعاطف مع الإرهاب أو مروج له، ليس في وطننا فقط ولكن في الخارج.
هناك إجابة تردد دائماً وتقول ان الإرهابيين مجرد مجرمين ويتوقف عند ذلك. وصحيح أن ما يقومون به هو فعلا جرائم ولكن دوافعها هي لا تشبه أبداً جرائم السرقة والرشوة والاغتصاب مثلاً. هذه الإجابة تريد أن تحول الإرهابيين إلى أشخاص لديهم فقط نزعة إجرامية متأصلة في داخلهم وليس الأمر متعلقاً أبداً بطريقة تفكيرهم. وهذه إجابة مضللة وفي غاية الضرر. فليس هناك من خلفية فكرية واضحة تدفع الشخص إلى السرقة أو التزوير بل ربما تكون هناك أسباب اجتماعية ونفسية وظروف حياتية، وهو يفعل ذلك بدون أن يعتقد انه يقوم بعمل صائب سيلقى أجره عند الله. على العكس من ذلك الإرهابي الذي ينطلق من عقيدة فكرية وهو يعتقد أنه يقوم بالصواب، ويتقرب إلى الله بالتفجيرات وقتل الناس.
ومرة أخرى، فإن خطورة هذه الإجابة أنها تريد أن تقنع الناس أنهم أشخاص لديهم سلوك إجرامي ولا دخل للقناعات الفكرية التي يؤمنون بها وليس لها دور في دفعهم إلى الإرهاب. هذا ربما يجعل الناس يعتقدون أن توفير أسلوب الحياة الجيد والخالي من المشاكل يمنع أبناءهم من أن يكونوا إرهابيين. ولكن لنتذكر أن عددا كبيراً من الإرهابيين عاشوا في ظروف جيدة ومستويات معيشة ثرية ولم يمنعهم هذا من أن يحولوا أجسادهم إلى قنابل انتحارية. والسبب أن تفكيرهم المتطرف، وليس الخلافات الزوجية أو الظروف المادية، هي التي تجعل منهم إرهابيين.
هناك أيضا عدد كبير من هذا النوع من الإجابات المضللة التي تريد أن تلعب دوراً دفاعيا ولكنها تقوم بأسوأ خدمة للناس عندما تقدم لهم الإجابات المزيفة التي يمكن أن تورطهم أو تورط أبناءهم في الإرهاب. وفي الحقيقة هي فعلت ذلك حقاً، فرغم كل التحذيرات في السابق من قبل العديد من الكتاب الصادقين التي تقول ان البيئة الفكرية المتطرفة هي التي تدفع الشخص ليكون إرهابياً إلا أن الغالبية الساحقة لم تكن تقتنع بذلك وربما لم تسمع به. أما الآخرون الذين دفعوا الأشخاص ليتبنوا التفكير المتطرف هم الذين وصفوهم(ياللسخرية) عندما تحولوا لإرهابيين إلى أنهم مجرد مجانين أو مجرمين.لهذا فإن كل الأساليب الدفاعية عن ثقافتنا هي مضرة جدا ولا تقوم بأي شيء سوى إضاعة الوقت في منع الأشخاص في أن يكونوا متطرفين ومتعصبين.
ولكن الذين يطلقون مثل هذه الإجابات يريدون أن يدافعوا عن أنفسهم وعن تفكيرهم حتى لو أدى ذلك إلى توريط الناس بهذه الرؤى المزيفة التي يأخذونها منهم. لذا من المهم الحديث بصراحة مع الناس حتى لايقعوا من جديد في هذه الأزمة الكبيرة، وحتى لا يخرج ممن روج لهذه الإجابات المزيفة ليصف أبناءهم بكل صفاقة أنهم أشخاص لديهم سلوك إجرامي متأصل.من الضروري أن يتعرف الناس على الإجابات الصادقة والحقيقية التي ربما تجعلهم يشعرون ببعض الألم ولكنها ستحميهم في المستقبل وستحمي مجتمعنا بأكلمه.
الاعتراف بأن البيئة الفكرية المتطرفة هي السبب بنشوء الإرهاب هو الذي سيدفعنا لتنقيتها، ولكن إعطاء الناس مثل هذه الإجابات المراوغة هي أكبر خداع لهم، لأنها تعطيهم المخدر وليس العلاج.
بعد التفجيرات والمداهمات تتصدع الذهنية العامة الصلبة ويكون الوقت ملائماً لإعادة تركيبها بشكل صحيح لكن هذه الإجابات تقوم بأسوأ عمل يمكن أن يقام به هذا الأيام.إنها تصنع قالباً ذهنياً يزيد من تمسكه بأفكاره السابقة و تصرفه نحو أسباب مزيفة. ولكن الجيد في الأمر أن الوقت لم ينتهِ بعد لاكتشاف خطورة مثل هذه الإجابات قبل أن تتحول إلى قناعات راسخة لا يمكن تحريك