هناك من يرى أن الاختلاف حول مسألة الصدق والكذب في الشعر ليس مرده إلى (النظرة التقويمية الشاملة) فإن هناك من أشار إلى أن الصدق أحسن الشعر لكنه (لم يرفض الكذب المطلق مثلما أن من قال منهم بأن أحسن الشعر أكذبه لم يرفض الصدق المطلق)، ويرجح سمير أبو حمدان أن بعض النقاد كان يتحدث عن جانب نفسي محدد في الصورة الشعرية مختلفة عن الجانب النفسي الذي تحدث عنه بعض آخر، فالقائلون بأن أحسن الشعر أكذبه إنما كانوا يشيرون إلى بعد نفسي غاية في الأهمية، فالكذب - وهو هنا كذب فني على أي حال - يعني عدم التطابق بين ما هي عليه الأشياء في الصورة الشعرية، وبين ما هي عليه في الواقع العيني والمحسوس والمشاهد)، وهو يعبر هنا عن قدرة الشعراء على النفاذ إلى الحقيقة من بوابة الخيال وعدم الإذعان للصوت الخارجي الذي يمارس الوصاية والتنويه لأن الشاعر حال الكتابة الإبداعية (وهو يبني صورته الشعرية المعتمدة على المبالغة الشيء الذي يدعوه البعض كذباً، لا يرتبط بحدود الزمان والمكان، إنه حر طليق، في تركيب عناصر صورته وبما يتلاءم وحالته الشعورية النفسية.
وأهم مزية يمتاز بها التخييل في الصورة الشعرية هي "الصدق الفني" وذلك حين يضيف التخييل إلى الصورة الشعرية القدرة التعبيرية عن "تجربة نفسية حقيقية مر بها الشاعر وعاش لحظاتها، فالصورة الشعرية الصادقة، تبغي أن تحدث الواقع الإبلاغي في نفس المتلقي، أي أن تجر هذا الأخير إلى أن يعيش ذات التجربة الشعورية لصاحب القول الإبداعي".
يقول الأستاذ الدكتور محمد الهدلق:
"اختلفت مواقف النقاد والأدباء من مسألة الصدق والكذب في الشعر، وذلك نابع من نظرتهم إلى الشعر نفسه والدور الذي ينبغي أن يلعبه في الحياة، هل الشعر فرع من المنطق شأنه شأن البرهان والخطابة؟ أم أنه مجرد فن جمالي قولي الهدف منه إثارة الانفعال وتحبيب ما يراد تحبيبه إلى النفس أو التنفير مما يراد التنفير منه؟"، والمجيب على هذا السؤال محوج إلى التأكيد على فهم قصدية الشاعر وغايته لأن بعض الدارسين رأوا أن الشعر العربي مليء بالمبالغات والكذب رغم أن "من ميزات الشعر: الصدق والتزام الحقائق، وما وجد فيه من المبالغة فإنما اقتضته الظروف المختلفة، فشعراء تغلب يميلون مثلاً إلى المبالغة في تقدير شجاعتهم وقد أنكر النقاد عليهم ذلك.. فقد قيل عن قول المهلهل:
فلولا الريح أسمع من بحجر
صليل البيض تقرع بالذكور
"هذا أكذب بيت قالته العرب"
وحتى المبالغة في الشعر لم تجد من يحدد مفهومها، حيث إن ذا الأصبع المصري بعد أن أورد ما قاله قدامة في المبالغة ذكر أنها أمر اختلف فيه "فقوم يرون أن أجود الشعر أكذبه، وخير الكلام ما بولغ فيه ويحتجون بما جرى بين النابغة الذبياني وحسان في استدراك النابغة عليه تلك المواضع في قوله:
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى
وأسيافنا يقطرن في نجدة دما
والشعر مليء بمثل هذه المبالغات الشعرية وما زادها ذلك إلا خلوداً، على حين يرى جابر عصفور أن "إلصاق تهمة الكذب بالشعر.. أدت إلى هوان الشعر والتهوين من قيمته"، لكن ذلك لم يكن على إطلاقه لأن هوان الشعر بهذه الصورة لم يكن إلا لدى أولئك الذين ربطوا بين الشعر والضلال واتهموا الشعر بالانحراف في معانيه وصوره عن الهدى، وأولئك لم يكونوا مستهدفين أصلاً في العملية الإبداعية الشعرية ثم إن الكذب الأخلاقي موجود في الشعر وغيره إلا أن الكذب الفني مزية في الشعر دون غيره من القيم التعبيرية.
ويعلق الدكتور محمد مفتاح على التقسيمات المنطقية التي قام بها حازم القرطاجني بعد أن رأى في الشعر كذباً كثيراً لا يقدر على درئه حيث ذكر أنه "قسم الكذب إلى أصناف عديدة، ولكننا عند التأمل، نجده ضيق من إمكان وجوده وإن سلم أن الشعر يكون بحسب أوضاع المتكلم والمخاطب والسياق"، وأنا أرى أن تصنيفات الكذب مسألة معقدة إلا إذا كان كذباً ينهض بالنص.
"وكبار النقاد في العالم منذ أرسطو حتى اليوم يحتمون الصدق لا من أجل الخلق وأثره في المجتمع فحسب، بل من أجل تقدم الشعر نفسه، فأقوى الشعر في الأداء هو ما صدقت فيه العاطفة وصدق فيه فكر قائله".
ويؤكد ذلك بإيمانه أن القصائد التي خلدت وسمت وبقيت على مدى التاريخ الشعري من حيث المستوى الفني، "هي التي اعتمدت على تجارب عبر عنها الشاعر في صدق نفسي وإخلاص فكري وشعوري".
بينما يتجه د. بدوي بطانة إلى نفي القصدية في الكتابة الشعرية الفنية فيقول: "ليس الفن في خدمة الأخلاق، وليس الفن في خدمة المجتمع، ليس الفن في خدمة شيء ما، فكل هذه مدارس في علم الجمال جربها الفنانون فوجدوا أنها زائلة،.. إن الفن في خدمة الشعور".
فهو يرى أن المقصود بالكذب في الشعر "تجاوز حقائق الأشياء، وهي الحقائق المعروفة، التي تتكون منها ما هياتها والتحدث عنها بغير هذه الحقائق،.. لكن الشعراء لا يلتزمون.. ويبالغون.."
على حين نجد أحمد بدوي يربط مقياس الصدق والكذب بمقياسين آخرين هما الإحالة والواقعية، وعقد لكل واحد منهما فصلاً، حيث يرى (أن الصدق مطابقة الكلام للواقع، والكذب فقدان هذه المطابقة).
وبدوي يتخذ موفقاً أدبياً وحضارياً في موقفه من القضية، ويفسر الواقع بالواقع الخارجي والواقع النفسي فيكون الشعر صادقاً إذا اتفقت أحكامه مع الواقع الخارجي - إذا كان للكلام واقع خارجي - ومع الواقع النفسي العاطفي والشعوري، إذا تحدث الشاعر عن عاطفته وشعوره إزاء ما يراه.." لكنه ينظر إلى مطابقة الشعر للواقع النفسي نظرة بدهية إذ يرى أن ذلك من المسلمات وأن الشاعر الذي لا يصدر عن عاطفة سليمة ليس جديراً بالشعر.
ولكي يكون الشعراء صادقين فقد طالبهم طه حسين أن يصدروا في إبداعاتهم "عما يحسون ويشعرون بلغة العصر لابلغة القرن الخامس الهجري" كما يرى، ونحن معه في أن أهم صور الصدق هي صورة التجربة الإنسانية والتعبير عنها بما يتواكب ولغة العصر مستجيباً لدواعي التجدد والتغيير والتطوير، ولا بد أن يحظى الأديب بشيء من الحرية حتى يعبر بارتياح دون ضغوط أو إملاء ودون رغبة في ممارسة الإنشائية والوعظ، فقد كان ريتشاردز يقول: "الشعراء وحدهم وليس الوعاظ هم الذين يضعون أسس الأخلاق".
ويطالب طه حسين الأديب أن يعبر عن عواطفه وأن يترجم مشاعره، لذلك فقد رأى أن شعر الوليد كان (صادقاً يمثل نفسه تمثيلاً صحيحاً..) ولو اضطر إلى تصوير مشاعره بطريقته الفنية.