العراق.. وحدة الضرورات في مواجهة أمريكا!!
سيطول الجدل الأمريكي - العراقي، حول الاتفاقية الأمنية، ومن يدرك كيف تبنى قواعد هي الأكبر من نوعها في المنطقة، يجد أن البقاء الأمريكي طويلاً، ولا يمكن أن تكون هذه القوة عبثية، لأن خطط الاحتلال، عندما رسمت برامجه في تلك الدوائر، جاء ليكون رمزاً جديداً لهيمنة عسكرية، بأساليب عصرية، وقد يكون المشجع الأساسي أن الخلافات الداخلية العراقية، ولجوء بعضها للمنقذ الأمريكي، هو أحد المميزات التي وضعت خطوط هذه الإقامة الجبرية الطويلة..
هذه الفرضية أخذت معاييرها من عدة صور، فإيران جار للعراق أصبحت لاعباً داخلياً في الحس المذهبي متخذة من العلاقات الدينية بين الفصيلين الدينيين لقاءً مفتوحاً، وضعف القوة الخليجية العسكرية في مواجهة إيران أحد الضرورات التي تجعل من العراق قاعدة كبرى، ثم يأتي الأساس في كل ما يجري، أو جرى، أي جاذبية النفط لثاني بلد أو ثالث في الاحتياطيات لهذه الطاقة التي صارت مثار جدل على المستوى العالمي..
الوجود الأمريكي إذن، لا يخضع لبقاء أو زوال سلطة الرئيس بوش، لأن المعايير الثابتة لا تتغير طالما من يخطط لها لا يُخضعها لزمن محدد إذا كانت تحقق غايات استراتيجية عليا، ومن هنا يأتي السبب في جعل الحوار حول الاتفاقية الأمنية مثار خلاف قد يبدأ صغيراً في حالة العراق الاجتماعية الراهنة، التي تقسمه الخلافات، لكن أمريكا تتجاهل الشعور العام عندما تبدأ معركة الكرامة الوطنية أمام محتل، وتكبر القضية لما فوق ذلك..
وكما أن الظروف في كثير من الصدامات العسكرية تخلق اتجاهات وبطولات غير متوقعة، فمجرد رفع الشعار الوطني أمام محتل سيوحد الفرقاء، وهي مسألة معاشة ومتكررة في تاريخ الأمم والشعوب، إذ حتى الشعب الأمريكي الذي عاش الحرب الأهلية وحدته ضرورات التخلص من الاحتلال البريطاني، والعراق ليس استثناءً، وقد حدث ذلك لأفغانستان أثناء حربها ضد الاحتلال السوفيتي، ولبنان أمام إسرائيل، وهي وقائع حديثة نسبياً، وأمريكا تخادع نفسها إذا اعتقدت أن تواجدها العسكري، بعد الحرب العالمية الثانية، في اليابان وألمانيا، يعطيها ميزة مماثلة في العراق، لأن هناك تباعداً ليس بالظروف الزمنية فقط، بل بثقافة هذه الشعوب ومداركها، ومرتكزاتها القومية والدينية..
فالعراق طرد الإنجليز، وسادته نظم من أقصى اليسار، لأقصى اليمين، وعرف هامش الديموقراطية، والدكتاتوريات الحزبية، والعسكرية، وهي تجارب وصيغ بعضها تم بإرادة العراقيين وتطوراتهم السلبية أو الإيجابية، لكن أن يواجه نفوذاً قسرياً، واحتلالاً بالقوة فقد تتغير المعايير، وتخرج من إطار الواقع السائد إلى وحدة المخاطر، ولذلك فالبقاء الأمريكي إذا لم يرتهن لتوافق شعبي، ومن كل الفصائل حتى الراغبة بوجوده تحت ذرائع تأمين الاستقرار، فإن هذا النفوذ قد لا يستقر وقد يجد نفسه في صدام مع كل الشعب، وبمعونة إيران وغير إيران ممن ترغب بإحياء قيم النضال ضد محتل، أوجد هذه الأسباب بنفسه، وجعلها مصدر التحدي وموضوع المواجهة..
أمريكا قوة لديها مصالح كثيرة في المنطقة، لكنها لا تدير معاركها بنفس الواقعية السياسية، وربما من هذه الأسباب تبنت النتائج السلبية في حقل عراقي لم تعرف كيف تسوسه..