الرئيسية > العمران والتنمية

د. سامي الدبيخي يشخِّص قضية النقل في الرياض :

نمط الشكل العمراني للرياض يدعم الاستثمار بالنقل العام والعائق يكمن في آلية توزيع المخصصات المالية بالتوازن على خطة النقل الاستراتيجية للعاصمة



تناول الأستاذ الدكتور فيصل بن عبدالعزيز المبارك أستاذ التخطيط العمراني والاستراتيجي في العدد الماضي من العمران والتنمية قضية الازدحام المروري وإمكانية علاجه بتطبيقات الإدارة المرورية المعاصرة وإنشاء القطار الخفيف واليوم يواصل د. سامي بن عبدالله الدبيخي أستاذ تخطيط النقل العام المساعد تناول القضية من خلال استعراض استراتيجيا المدن في تخطيط النقل وتلمس ما يلائم مدينة الرياض وقد بدأ الدكتور سامي حديثه قائلاً: اختلفت استراتيجيات المدن في تخطيط النقل وتأثر شكلها العمراني تبعاً لذلك. فعلى الجانب الأول، حجمت العديد من المدن دور المركبة الخاصة على مستوى المدينة وضيقت الخناق عليها في مركزها للحفاظ على القيمة التاريخية والاجتماعية التقليدية وهذا ما انتهجته أكثر المدن الأوروبية المتبعة "لمنهج التحضر العضوي" Organic Urbanism Approach المحافظ على الجذور والثوابت.

وعلى الجانب الأخر، وجهت العديد من المدن نمط تطورها للمركبة الخاصة لإعطائها أكبر قدر ممكن من حرية التنقل على حساب الشكل العمراني التقليدي للمدينة والاجتماعي؛ وتمثل المدن الأمريكية هذا التوجه والمتبع "لمنهج الحداثة" Modernism Approach والقائم على قطع الصلة بالماضي ورفض كل قديم وخصوصاً القطارات الكهربائية.

؟ أما العديد من المدن العالمية فانتهجت الوسطية وتبنت سياسة التطوير والنقل المتوازن الهادف إلى نظام نقل متعدد ومتكامل يعطي الأفضلية للمشاة ثم النقل العام وفي النهاية المركبة الخاصة. ولا يعني ذلك بالضرورة إلغاء الاعتماد على المركبة الخاصة كلياً ولكن إيجاد خيارات أخرى في التنقل لتخفيف الاعتماد على المركبة الخاصة إلى مستويات يمكن السيطرة عليها.

ونتيجة لهذا التباين بين الاستراتيجيات اختلفت الأشكال العمرانية للمدن وحصرها على سبيل المثال J. Michael Thomson في كتابه الشهير "المدن العظيمة ونقلها" Great Cities and Their Traffic ، معتمداً على تحليل مايزيد على ثلاثين مدينة عالمية، في خمس أشكال للمدن يوافقه عليها اغلب علماء المدن والنقل:

الشكل الأول، "شبكي" تطغى عليه الطرق لزيادة تنقل المركبات وهذا ما يمثله الشكل العمراني الحالي لمدينة الرياض؛

والثاني، ذو "مركز مدينة ضعيف" تسانده بعض المراكز الأخرى الصغيرة في الأحياء وتسيطر عليه الطرق الإشعاعية لوسط المدينة وتخدمه شبكة قطارات محدودة؛

والثالث، ذو "مركز مدينة قوي" مربوط بشبكة متكاملة بالنقل العام والطرق وبشكل إشعاعي والاهم مراكز فرعية على محاور النقل العام وليس على الطرق السريعة لتؤدي دورها المنشود (انظر الشكل المرفق). وهذا هو المقترح لمدينة الرياض من قبل الإستراتيجية العمرانية في المستقبل؛

والرابع، ذو "التكلفة المنخفضة" وهو خاص بالمدن الفقيرة لعدم قدرتها المالية على الاستثمار بالقطارات وكذلك معظم المجتمع على تملك المركبة الخاصة ولذلك تنتشر شبكات الباصات في المدينة بجانب طرق شريانية تربط العديد من المراكز الفرعية.

أما الأخير، الشكل العمراني "المقلل من الاعتماد على المركبة الخاصة" والداعم لاستخدام النقل العام بحيث يتميز هذا الشكل: أولا، بشبكات نقل عام ضخمة ومخدومة بالقطارات والباصات وبمسارات خاصة ذات أولوية على الطرق؛ وثانياً، مراكز فرعية على مستوى قطاعات المدينة مربوطة فيما بينها ووسط المدينة بنقل عام بسعات عالية وتقاطر منتظم واعتمادية عالية وهذا ما نطمح أن تكون عليه الرياض ولكن بعد النجاح في تطبيق النموذج الثالث.

حيث إن "منهج التحضر العضوي"، المشار له سابقاً، يركز على الخبرة المتراكمة والتدرج في التغيير والاهم إدارته من اجل إعطاء المجتمع الفرصة للتأقلم مع التغيير بسلاسة. ورائد هذا المنهج Jane Jacobs المفصل في كتابها ذي الثقل العالمي "موت وحياة المدن الأمريكية العظيمة" The Death and Life of Great American Cities والمعتمد بشكل رئيس على تجربة المدن الأمريكية ومقارنتها بنظيراتها المدن الكندية.

وباستعراض لآليات الوصول لشكل عمراني ونظام نقل مستدام، تؤكد عملية التغيير على وجود النظام المؤسسي الفعال لتخطيط وإدارة المدينة حيث إن توزيع سلطة التخطيط تؤثر على تبني الإستراتيجية الأنسب لها والأهم من ذلك منهجية وآلية الصرف على المدينة وعلاقتها باتخاذ القرارات الإستراتيجية.

وبتقصٍ للتجارب العالمية تقوم هيئات التطوير العليا بالمدن في الغالب بهذا الدور وتتمتع بتملك أو سيطرة كاملة على نظام النقل العام والطرق بما فيها السريعة والإقليمية... وهذا ما تحقق لمدينة الرياض. بالإضافة إلى سيطرة هيئات التطوير العليا بفعالية وبدون تدخل أطراف أخرى على استعمالات الأراضي والتطوير على مستوى المدينة... وهذا ما تحقق أيضا للرياض. والاهم من كل ذلك، الحرية المطلقة لصرف ميزانية النقل بما يصب بالإستراتيجية المثلى لتطور المدينة وبدون تدخل من سلطات مالية تقلب أولويات الاستثمار والإنِفاق على نظام النقل وترسمه وتدعمه بعيداً عن الشكل العمراني المستدام... وهذا ما نطمح أن يتحقق للرياض. والسؤال الحرج الذي يطرح نفسه بشدة اليوم في ظل ما سبق... بما ان الرياض أنهت مستفيدة من بيوت الخبرة الكندية والفرنسية والألمانية جميع الدراسات التنفيذية للقطار الكهربائي وكذلك "الدراسة الشاملة لنظام النقل العام" وجميع الدراسات التنفيذية لعدد من المحاور الرئيسية للحافلات السريعة وتوسيعها لتغطي جميع أجزاء المدينة فلماذا التأخر في توفير المخصصات المالية لتشييد النقل العام كوسيلة نقل إضافية فعالة لمدينة الثقافة أسوة بمئات المدن العالمية الغنية منها والفقيرة والتي طموحها تخطيط نظام نقل متكامل ومستدام يوفر الوصولية بالوسائل المتعددة ويعطي كل وسيلة نقل دورها، بناءً على الأداء والتكلفة والتكامل مع الشكل العمراني للمدينة وليس اهتمامها منصب على حل جزئي لمشكلة الازدحام المروري خلال أوقات الذروة وذلك بالاكتفاء بدعم تشييد مزيد من الطرق والجسور والأنَفاق.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة