صحح سركون بولص مجموعته الأخيرة (عظمة أخرى لكلب القبيلة) دار الجمل قبل يومين من وفاته، تلك القصائد التي لو لم يجهد خالد المعالي في انتزاعها من الشاعر لذهبت الى النسيان، مثل الكثير الذي كتبه وترجمه خلال حياته. لعل خواتيم رحلة سركون في هذه المجموعة تظهر موضوعين يتلازمان لديه: ولادة القصيدة وخط النهاية في حياة الانسان.
سركون بولص علامة في القصيدة العربية منذ الستينات حتى اليوم، ومفارقة نصه تبرز بجمعه الحدين في جغرافيا القول: الأعلى المتسامي، والأرضي المحايث لكل عرضي وعابر وموقت.
في نهاية الرحلات، هناك قصيدة تلوح في ديوانه عنوانها (جسدي الحي في لحظته)، قد تبدو نتاج ما تسجله ساعات الإحساس المكثف بالحياة، فكلمة "الحي" التي سمى بها جسده، قد تشير الى ما هو مضمر فيه "الموت"، ولكن القصيدة، تطاول خطابا شعريا غير هذا ((جسدي الحي في لحظته، هذا التنور الذي لايكف عن تدوير الأرغفة / للجياع المزدحمين على بابي.)) أو ((هذا أنا: صوت أجراسي الخفيّة في اللحم، أعلى من عاصفة وشيكة.)).أنه هنا في المنطقة الشعرية، حيث يقتفي سر الشعر الذي هو سر ولادة الإنسان وفنائه.الشاعر البيروفي سيزار فاييخو الذي يسجل باسمه سركون إحدى قصائده، كتب قبل أن يموت في منفاه بباريس، نصا ذهب إمثولة من حيث مقدرة الشعر على مقاربة لحظة ولادة الكلمات من الجسد، فالقصيدة تنبثق من باطن متململ، لتطلع من بين أسنان الشاعر، ومن تشققات جلده، ومن أحشائه الخاوية. فاييخو على حد قول نقاده، يربط بين الفعل الفيزيقي المحسوس، والاعماق الداخلية التي تنتج الكلمة.
لعل تلك المجاهدة التي حاول أن يقتفيها سركون بولص، تقف على الضفة المقابلة للشعر الذي تصنعه الفكرة الخارجية ((قرأتك في أوحش الليالي، لتنفّك بين يدي ضمادات العائلة. / قرأت عواصفك المتململة حيث تتناوم الوحوش في السراديب/ حيث المريض يتعكز، على درب الآلام، بعصا الأعمى الذي رأى../ وفي هذا المساء، يا فاييخو، تعلو الأبجديات وتسقط. المبنى ينهار والقصيدة.)).
في مجموعة سركون ليس هناك من أثر لرومانسية الانتهاء، فالذات رغم عذابها، تتفوق على نفسها في ولادة الكلمة، وفي إرادة الشعر، وفي تفصيل تلك الولادات العسيرة، تختط القصيدة طريقها الى الملكوت ((حتى ذلك اليوم الذي لن أعود فيه/ الى قصدير الأيام المحترقة، والفأس المرفوعة/ في يد الريح، أجمع نفسي، بكل خِرَق الأيام ونكباتها، تحت / سقف هذا الملاك الحجري.)).
العودة الى النهايات تنطلق من خط البداية: الخليقة وهي تنبثق من بحر عزلتها، وأرض الرافدين حيث كلكامش يبحث عن عشبة الخلود، والأب الكادح في صباحات يومه، والجد الذي يزور الشاعر في الأحلام، وأم يوسف القابلة التي شهدت صرخته الأولى.
تلك الاستعادات، ليست جديدة على شعر سركون بولص، فكل ما كتبه في مجموعاته الأولى يمر من هذا المعبر، فبيئته المسيحية موضوع قصائد كثيرة كتبها في الماضي، ولكن ثمة رابطاً يدركه الشاعر في منطق القصيدة، بعد كل هذا الوقت، ثمة شيء تغيير يلوح أمامه بين التذكر والتخيل ((دفتري المفتوح تحت عيني / مصيدة لأرواح موتاي / يمرون على صفحاته في شبه رفيف/ أسمعه مثل لغتي الأولى / في باطن أي ماض لن يترك للبطل أن / ينام، هو الذي يعرف انه لن يكون جلجامش.)).
بين يقين الشعر وعبثية الحياة، يكتب سركون بولص قصائده الأخيرة، متابعا سيرته التي اختطها في كسر الحدود البلاغية بين النثر والشعر، أنه الباحث عن قصيدة تتجاوز غنائية السياب وسعدي يوسف، حداثة يصنعها من قطيعة مع منجز الشعر الحر، دون ان يتخلى عن مفردات العراق، المنابع الأولى لشعره. فهو يكتب عن الأماكن ذاتها التي كتب عنها العراقيون، عن الحرب والجنود والمنفيين، وموت محمود البريكان، وهجرة الطيور من الأهوار، وعن يوسف الحيدري، ومرثية سينما السندباد، وأساطير بلاد الرافدين، أي أنه يقبع في المربع الأول الذي تشكلت منها ذاكرته. ولكنه وهو الساكن ثقافة أخرى تزاحم ثقافته الأولى، يجد في توترات النص ما يرهص بلحظة التصادم بين الثقافات داخله. سعيه نحو تجاوز الموضوع يظهر في الكثير من شغله عبر تحطيم الشكل، ولكن على نحو حذر لايشط به في ألاعيب اللغة او التجريد والغموض، فوضوح قصيدته، جزء من مكوناتها، وربما يشكل السرد فيها، والجانب التقريري في إبلاغه، أداتي ذلك التجاوز، بيد ان قانون الكلمات يشغله، اللغة التي عبرت مفازات الألسن في نصه، هي ليست مجرد انعكاس لموضوعات خارجية، بل هي موضوع المعرفة ذاته، مملكة المغزى التي تتشكل منها عجينة الشعر: ((صفحاتي تطفح ليلا، تتجمع الكلمات مثل طيور جارحة/ في سماء خافقة بالنُذُر، زمني طوع يدي، مستعد للرحلة القادمة/ حُرٌّ في أن ألامسَ جذر المصيبة التي تطاردني عبر أيامي، من بلدي/ النائي/ أو أن أتناسى المضائق، وأنطلق صوب البحر.)). حرية الشاعر مكبلة بقيود ماضيها (جذر المصيبة)، ولكنه وهو يخوض منقلبها، يدرك لحظة الإبحار في النص، تلك التي تجاهد كي تجتاز مضائق اللغة والافكار والرموز نحو الانشغال بالفعالية الشعرية ذاتها، بالتمرين على الابداع.
منذ ديوانه الأول (الوصول الى مدينة أين) يراقب سركون بولص فعل الابداع، لا باعتباره لحظة مكتملة، بل هو النقص الذي يقض مضجع الشاعر ويحوله الى بحث في الكيفية التي يمسك فيها ما يعز على الكلمات أن تمسك به ((ما هي إلاّ نبضة في صدغ القصيدة/ تطرق من أجلي بابا، تسمح لي بالدخول.)).
تلك المكابدة، التي تتوضح على امتداد اعمال سركون بولص، هي في الأصل موقف جديد من الشعر، موقف فلسفي وفكري، فالشاعر كما اعتدنا، لايسأل القصيدة عن سرها، بل يسأل عبر بداهة الوجود المتحقق للشعر، عن أسرار الكون وطبيعة الاجتماع والسياسة والحب وغيرها من المشاغل، ولكن سركون يلوب حائرا قلقا يبحث عن (سر الكلمات)كما هو عنوان واحدة من قصائد هذا الديوان. ولعل ناظم مجموعته الأخيرة (عظمة أخرى لكلب القبيلة)، يقوم على هذه البؤرة التي تدور حولها قصائده. انه يدرك ان ليس بمقدوره ان يضاهي هذا العالم (عالم لايُضاهى)عنوان أحد قصائده، فالشعر يقف في منعطف يبتعد عن هذا العالم كي يراه، لا كما يرى العالم نفسه، بل من داخل المرايا التي تملكها مجرة الشعر وهو تدور وتدور في كل الاتجاهات.
وهو لايدرك تفصيل الشعر في القصيدة التي يكتبها، بل في نص غيره ايضا، حين يدخل عالمه مشاركا لاضيفا طارئا..يكتب في قصيدته (نصف بيت)
((نصف بيت/ لأبي تمّام: ألا ترى / الأرض غضبى، والحصى/ قلق..، ظل يتقلب اليوم كالزبد الجريح/ على ساحل مقفر في رأسي/ كأن الخليقة / كلّها تصرخ اليوم / باحثة عن شطرها الآخر)).من هنا تنتقل القصيدة بهيئتها الجديدة، باعادة تكوينها، الى حيازة ذاتية للشاعر.
ونحسب أن اهتمام سركون بالشعر، وهو المثقف النادر في مثاله العربي، يتفوق على اهتمامه بالحياة، أو هو في أحسن الأحوال لا يمسك بالحياة الا في لحظة يراها شعرية، لذا فلتت منه هذه الحياة بسهولة.
في مجموعة سركون الأخيرة، نجد شعراء يقبعون خلف مسرحه، ويقدمهم الى قارئه، ليس في القصائد التي يكتبون، ولكن فيما يتفكّرون به حول القصيدة، وأولهم فاييخو بنصه المتداول حول ولادة القصيدة، وثانيهما أبي تمام، الشاعر الذي تأمل نصه من داخله، ثم وليم بتلر ييتس، شاعر إيرلندا الذي كتب عن (رمزية الشعر)العام 0091، حيث رأى أن الرأي والحماس والكتابة وزخرفات الكتابة هي مواد خارجة عن الشعر، وسركون في استدارة ذكية يضع في هوامشه عن ييتس، ما استوحاه منه في كتابة نصه (في وسط كل شيء حجر)، فقصيدة سركون تتحدث عن (وجه هذا الزمن السفيه) (بعد أن خلط الغد أوراقه) (دع هذه المدينة / تسقط في هوّة أيامها، وأنا / وأنت، نتطوح في شارع القصيدة العزلاء، سُكارى)). بيتلر كما يقول سركون في هوامشه، كتب عن المقاومة التي اندلعت في دبلن ضد الحكم البريطاني مطلع العشرين، وسحقتها القوات البريطانية، وهو (يتساءل مثلما تساءل الايرلنديون عن معنى التضحية والبطولة، والخراب الذي ينتج عنهما). ولكن ما يعنيه بتلر لسركون، ليس التطابق او التشابه بين الأشياء والكلمات، بل بما هو شديد الخفاء عن العقل في الشعر، فالانفعالات غير قابلة للتعريف، فما يحاول ان يصله بتلر هي تلك الطاقة التي تنبثق من تحول مستمر للعقول والذاكرات، أو استنساخ وتداخل يجري بينها عبر الأزمنة.
سركون بولص الذي لم يكتب نصا نقديا، ولم يحاول تعريف الشعر في مادة نظرية، لايطيب له في كل مجلس صداقة، إلا هذا الحديث، وهو دائما سيد تلك المجالس. ولكنه في هذا الديوان يحاول أن يجد في القصيدة ذاتها هاجس التعريف، أو هاجس الانفلات من التعريف، بل هي تصبح بالنسبة اليه، معضلة الوجود كلها.
كم من الكلمات نسي أن يقولها سركون بولص وهو يودع عالمه هذا، وكم من الأفكار التي عجز شعره عن صياغتها كانت تعتمل في ذاته، ولكنه وهذا شأن كتابه الاخير، كان يتحرك في منطقة العجز تلك، في خفاء الشعر الموارب.