د. عالي القرشي
في نص بعنوان "السؤال؟" لإبراهيم صعابي، نجد أن سؤال القصيدة الجديدة يدخل مرحلة السؤال، في إشارة الى القلق الذي ينتاب تجربة شاعر القصيدة الجديدة، حتى الأسئلة تدخل مناط المساءلة، مما يبعد الاجابات، ويفتح بوابات الاحتمالات المفزعة، التي يضج منها تأمل الإنسان، يقول الصعابي:
مات السؤال على شفاه الريح والجرح القديم
مات السؤال..
وظل - في جوف الحقيقة.. يعشق التلويح..
صوتا لا يموت..
يقتات جوعا..
يشرب الظمأ الحميم فيصطلى..
بالرفض.. بالأحزان.. بالنكران..
بالسفر الطويل.. بلا مدى
وهنا نجد اللغة تتمرد على نهاياتها، فلا تأتي النهاية إلا لتوقظ الاحتمال، لتبعث بوابة السؤال.. جاء السطر الأول معلنا موت السؤال، مقسماً ذلك الموت على إمكانات كان من الممكن أن تبعث السؤال، كان من الممكن أن يقوم مع مرور الريح، مع ما تحمل من بشارة بالآتي، أو حسرة على المتلاشي، كان من الممكن أن يبرئ الجرح.. لكن السؤال يموت، تأتي الحملة الثانية في السطر الشعري الثاني معلنة:
مات السؤال..
لكن النقاط التي جاءت بعد كلمة السؤال، تبقى فاتحة لاحتمالات، وممتدة بدائرة السؤال، وهو ما جاء السطر الثالث به حياة للسؤال، ليس في بشارته ونبوءته، ولكن في عذابه، في مدة رواقا من المسافة الزمانية والمكانية المحيطة بالإنسان، مما يذكرنا بهم امرئ القيس..
كأن اللغة حين جاءت ب "مات السؤال"، أحيته في ذلك التكرار، "مات السؤال"، لأنه أصبح متجسداً، يأخذ حيز الرثاء.. مما جعل اللغة أيضاً تنفي موته فيما تلا.. حتى إذا جئنا الى المقطع الثالث في النص الذي يقول فيه الشاعر:
ضج السؤال
من الجمود على فم الآمال..
ضج من الكتابة.. والرتابة.. والخطابة..
من مجئ الليل في خفق الصباح
فالليل ممتد..
من الماضي.. الى الآتي..
الى الفجر المضرج في مضائرنا..
يرمد أعين القلب المريض..
فيرميني.. متثاقلاً..
متثائبا..
مهدلاً..
متجمداً في الدرب.. يفترس الطريق.
وجدنا النص لا يميت السؤال، الا لينشئ له حيوية أخرى بهذا الرثاء، بهذا الضجر من حياته الموات على الشفاة، والضمائر، وامتداده في مصائر الوجود والوقت، ليأتي تشخيصه "متثاقلاً، متثائباً، متهدلاً" مؤكداً على عنفوانه في محاولة لبعث تلقينا للسؤال وإحيائه.. ليأتي قول الشاعر في آخر النص:
مات السؤال.. ولم تمت روح السؤال..
@@@
والصمت يعقبه انفجار.
مات السؤال..
ولم يزل..
يبقى سؤال للسؤال.
كأن موت السؤال مؤذن بالانفجار، مؤذن بنشوء أسئلة لمرحلة جديدة.
@@@
ويجئ طلال الطويقري بديوانه "ليس مهما"، ليشعل صمت السؤال، ليقيم أمام ضجيج الكلام تأويل، تشعل المرارات، وتجدل صمت اللحظة بحمى السؤال، يقول في نص بعنوان "غائب في اشتغال الكلام":
الشوارع تشربني قهوة مرة
وأنا غائب في التأويل
أحصى الوجوه
وأفتح نافذتي بالمرارة
نحن هنا أمام اشتعال السؤال في اشتغال الكلام، الذات تشعر بانسحاقها الذي يثير فيها السؤال المر، فالشوارع تستعلي على الذات، تستحلي عذاباتها، تجدها نكهتها.. هذا الانقلاب في القصور بين الذات والشارع، لم يأت الا من اشتعال التأويل، واشتغال الذات بتغير الصمت - أي اشتعال السؤال تشتعل اللحظة بالصمت، تجفره، تخلق مدى البدء والنهاية منه وإليه:
غائبا جئت في آخر الصمت دوني
جئت أنا شهوة الموت دونك
فما بين الصمت والموت تتحرك شهوة الحياة، التي لا نجد تعبيراً ظاهراً عنها، ولكنها ماثلة في لحظة الاشتعال بالصمت، ولحظة الامتداد الى شهوة الموت دون الآخر الذي يفتديه. ليكون المقطع الثالث من النص الذي يقول:
غائبان؟
تساءلت كي يكبر الظل حول الكلام
وكي يبدأ القلب فتح تنانيره
لاشتعال السلام
السؤال عن الغياب، ادخاله في دائرة الاشتغال، فتح للآتي، رسم للظل، وللسلام، ولمدارات سباحة القلب..
فهذه هي حال القصيدة الجديدة حين تنهض رؤياها على السؤال، تستجلبه، ترصده، تسائله، تجلده، لكي تقف على بوابة الاحتمالات، وتفجر دهاليز الصمت، وحوائط الانغلاق، وتنزع من ضجيج الكلمات هديرها، فيشتعل السؤال، ويذوب الصمت، وتتجلى الذات وهي تعاقر الدهشة والفرادة.