د. عبدالله بن إبراهيم العسكر
لم تختزن ذاكرتي عن جمهورية التشيك ونحن نستقل الطائرة من الرياض إلى براغ عبر مدينة ميلان في إيطاليا، إلا عدة أمور منها: أن التشيك كانت ضمن جمهورية تشيكوسلوفاكيا. وانها البلد الذي قدم صفقة السلاح لعبدالناصر في خمسينيات القرن الميلادي الماضي، وبذا كسر الرئيس المصري قضية احتكار بيع السلاح من قبل دول أوروبا الغربية إبان الحرب الباردة. وانها البلد الذي تأتي منه بنادق بورنو، وهي بلد المشافي الطبيعية لوفرة المياه المعدنية في أراضيها، وانها مصدر الكريتسال الطبيعي الذي تشتهر به منطقة بوهيميا، وأخيراً انها البلد الذي هاجر إليها عدد من الرفاق "كما كانوا يعرفون" العرب، واتخذها الشاعر العراقي السمين الجواهري مهجراً له مدة ناهزت ثلاثين عاماً وسمى عاصمتها براغ بمزهر الخلد.
لم يكن التاريخ أو الأدب حاضراً في خاطري ونحن في الطائرة. لا استطيع أن اسمي مؤرخاً أو مستشرقاً واحداً ما عدا أليوس موسيل Alois Musil الرحالة المشهور، وحتى هذا فقد وقر في خاطري انه ألصق بالنمسا والثقافة النمساوية الهنغارية. وهو في معظم ما قرأت له لا يشير كثيراً إلى التشيك. وهو يسمي نفسه موسى بن نمسا أو ربما سماه أصدقاؤه من عرب الرولة في شمال الجزيرة العربية بهذا الاسم العربي.
كانت مناسبة زيارة براغ عاصمة جمهورية التشيك للمشاركة في ندوة علمية تقيمها دارة الملك عبدالعزيز النشيطة بالتعاون مع وزارة الخارجية التشيكية عن الرحالة التشيكي أليوس موسيل "هكذا أخبرني الأخ عوض البادي صحة رسم اسمه بالعربي، وهو ما كان يوقع به، وكنت كغيري نكتبه موزيل، فشكراً للأخ عوض على هذا التصحيح" ويظهر انه بعد استقلال التشيك عن سلوفاكيا طفقت الأولى في البحث عن كل رموزها الوطنية السابقة، وإبرازها كتراث وطني، بصرف النظر عن كونها تعود إلى حقبة سابقة لا تمت بصلة قوية للثقافة المكتوبة باللغة التشيكية. مثل ما يفعل اخواننا في إيران وأوزبكستان وغيرهما عندما يحتفون بعلماء مسلمين لا يعرفون إلا بكتاباتهم باللغة العربية. ولا مشاحة في هذا الصنيع.
قبل مجيئنا إلى براغ كانت الجمعية التشيكية العربية بالتعاون مع متحف مدينة فيشكوف في منطقة مورافيا قد أنهت احتفالاً ثقافياً مع إقامة معرض يحكي تاريخ موسيل وتراثه الفكري والعلمي والتاريخي والآثاري والأنثربولوجي. وذلك بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين بعد المائة لميلاده. يقول لي نائب وزير خارجية التشيك أن موسيل صنع لبلادنا سمعة عالمية كبيرة، وهو يقول ان بلادنا الصغيرة مع سكانها الذين لا يتجاوزون العشرة ملايين تفتخر بموسيل الذي وضع بلادنا على خريطة الفكر والتراث العالميين. وهو يقول نحن مدينون للعرب، خصوصاً بادية العرب، لأنهم الجسر الذي عبرنا من خلاله إلى العالمية.
وكلامه صحيح فإن تاريخ العرب في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الميلاديين يحوي صفحات مضيئة عن جهود موسيل العلمية واكتشافاته الآثارية في شمال الجزيرة العربية. وقد زرت المعرض المومأ له في مدينة فيشكوف. وهالني مقدار التصميم من قبل المسؤولين لجعله معرضاً مخصصاً للحياة العربية اليومية في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي.
تم عقد ندوة موسيل يوم الخميس 2008/6/19م في قاعة المرايا في قصر سرنين cernin الذي تتوزع أروقته وطوابقه وزارة الخارجية التشيكية. واستمرت الندوة من الساعة التاسعة صباحاً حتى الساعة الرابعة بعد العصر. كان العنوان الرئيس الذي اختارته وزارة الخارجية التشيكية لهذه الندوة هو: سمينار حول تراث أليوس موسيل Seminar on the Legacy of Alois Musil وتوزعت الأوراق على ثلاث حلقات. في كل حلقة قدمت ثلاث ورقات توزعها مشاركون من السعودية وجمهورية التشيك.
افتتح الندوة السيد توماس بوجار Tomas Pojar النائب الأول لوزير خارجية جمهورية التشيك. وهو رحب بنا وقال اننا نتطلع دائماً لزيارة السعوديين. وقال انه منذ استقلالنا ونحن نستقبل عدداً من السعوديين الذين يؤمون المشافي الطبيعية، إضافة إلى زيادة ملحوظة في التبادل التجاري والاقتصادي. وثمن اقامة هذه الندوة لنبحث فيها عن نواحي الحوار الحضاري بين السعودية والتشيك عبر تراث موسيل. وأعقبه الدكتور ناصر الجهيمي نائب أمين عام دارة الملك عبدالعزيز الذي قال ان دارة الملك عبدالعزيز ورئيس مجلس إدارتها سمو الأمير سلمان بن عبدالعزيز أولت هذه الندوة أهمية كبيرة للمكانة التي يمثلها موسيل في التراث العربي المعاصر. وهو قال ان المتحدثين السعوديين إنما يتحدثون عن رجل تعرفونه، ولكنهم ينقلون لكم أصداء موسيل الثقافية والمعرفية.
جاءت الأوراق بملحوظات علمية جيدة منها كيفية تعامل السلطات العثمانية مع موسيل ورحلاته المتعددة إلى البلاد العربية، خصوصاً انه لم يكن مصنفاً ضمن أعداء استانبول، ومع هذا فقد حظي بمتابعة ومراقبة من قبل المسؤولين العثمانيين حتى بعد عودته إلى فينا. هذا ما ورد في ورقة الأخ حمد العنقري من خلال وثائق عثمانية. وهي ورقة تعد إضافة جيدة. ولعل الزميل الدكتور سعيد السعيد قد فسر بعض اهتمام استانبول بموسيل، وهو يقول ان الأخير غيّر من اهتماماته وخططه، فهو بدأ مستكشفاً دراسياً ثم أصبح مهتماً بأحوال العرب في شمال الجزيرة العربية لأسباب متعددة ثم أصبح مهتماً برصد المجالات التجارية لصالح الإمبراطورية النمساوية المجرية، ثم بدأ يعمل مباشرة لدوائر سياسية نمساوية. لعل هذه الاهتمامات المتعددة هي وراء العين العثمانية الراصدة لنشاطاته.
ويشير الزميل عوض البادي إلى تغييب متعمد لتراث موسيل في الأدبيات الإنجليزي. وهي فكرة تستحق البحث والدراسة. ولما سألت البروفيسور لبوس كروباشيك Lubos kropacek عن رأيه قال على الدكتور عوض أن يثبت ذلك من خلال النصوص. وطالب الدكتور مندل بضرورة التعمق في الاستشراق النمساوي المجري الذي لم يحظ بعناية كافية. ولفتت انتباهي طالبة الدراسات العليا مارتينا فاسيلا Martins Vescla بعكوفها على البحث المتواصل عن أوراق موسيل الخاصة الضائعة في فيينا.
وقد اخترت أن اتحدث في الندوة عن موسيل من خلال تراثه الأنثربولوجي والثقافي وانه يشكل جسراً متيناً لحوار عربي أوروبي. لم يكن موسيل متخلياً عن تراثه الأوروبي، وهو كان كاهناً متمرساً، درس العهدين الأول والثاني، وترهب في فلسطين ولبنان. ولعل الدراسات التوراتية هي ما قادته إلى المشرق. ومع هذا فقد أحب العرب جنساً وثقافة، وهو أجاد العربية الفصحى وبجانبها أجاد 30لهجة عربية من لهجات الجزيرة العربية وبلاد الشام الأوسط والجنوبي. موسيل العالم المتعدد المواهب والمخلص لتخصصه بصرف النظر عن مهماته السياسية التي جاء إلى بلاد العرب من أجلها، لا يمكن مقارنته بلورنس البريطاني. مع ان زملاءنا التشيك في جامعة تشالرز في براغ يطربون بتسميته: "لورنس العرب التشيكي".
الاحتفاء بتراث موسيل وغيره من المرتحلين أمر ضروري. وهو قد رسخ قدمه عند عرب الرولة. وقد مدحه الشيخ النوري الشعلان شيخ الرولة في قصيدة طويلة منها:
الشيخ موسى اللي علومه شفيه
حافظ علوم من دهور مزمنات
ما جابت الخفرات مثله حليه
ولا له شبيه في شيوخ البدوات
براغ عاصمة التشيك التي سماها الشاعر الجواهري مزهر الخلد: (ألا يا مزهر الخلد تغني الدهر في وترك) والتي قال فيها وفي التشيك وجميلاته وطبيعته قصائد جياد منها: بائعة السمك، وغادة التشيك، وآهات. لقد أحب الجواهري براغ التي: "أعلى الحسن ازدهاء وقعت أم عليها الحسن زهواً وقعا" وبراغ التي "أطلت الشوق من عمري أطال الله من عمرك". أطالت البحث عن تراث عربي طويل. تراث موسيل العربي يحتاج إلى ندوة كبيرة ويحتاج إلى جمع لمذكرات شخصية ضائعة أو مضيعة تخص بلادنا. جمهورية التشيك لا تستطيع أن تقوم بالبحث لوحدها. ودارة الملك عبدالعزيز مرشحة قوية للمشاركة والاستمرار فيما بدأت به مشكورة.