غياب الضمير جرح مفتوح..
حالما لمح المراقب فزّ العامل الذي اقتعد الأرض متكاسلاً عن أداء عمله وبدا وكأنه مُنهمك في تنفيذ ما أوكل اليه، توقف الرقيب عنده مربّتاً على كتفه دلالة الرضى والتشجيع ومحدّثكم كان يرقب الحدث من بُعد فبدأت التساؤلات تتجمّع لتؤطّر المشهد، أين الضمير؟؟ لماذا يغيب في مواقع ويحضر في أخرى وكيف يُمكن لعالمنا العربي ومجتمعنا المحلي إيقاظ الضمائر المُغيّبة حتى يمكن الركون للأطمئنان أن "الدنيا لا زالت بخير"؟؟ أين الضمير الذي لايخشى الرقيب البشري إنما يخشى من لا تخفى عنه خافية،كيف ينام العامل،الموظف، المسؤول، الوزير قرير العين وقد تقاعس عن أداء الأمانة الموكولة اليه؟؟ وبأي ضمير يقبض ثمن خيانته ولو كانت ساعة من عمل سرقها ولم يؤدها كما ينبغي؟؟
الأمم التي تعي معنى العمل بكل مفاهيمه لا تضع المراقب أو المُفتّش لكي يدفع العمّال أو الموظفين لأداء مهامهم بل للتأكد من جودة المنتج واستبعاد غير المطابق للشروط بسبب أن كل مُنتمٍ لأي مُنشأة يرى نفسه المسؤول الأول عنها وفي تقاعسه خُذلان وخيانة للأمانة تستحق الانتحار كما يفعلون في اليابان على سبيل المثال، وأرجو ألا يُفهم من كلامي هذا أنني أدعو للانتحار ولكني فقط أضرب مثالاً لكيفية إخلاص العامل هناك وقسوته على نفسه حين يشعر بالتقصير، وفرق بينه وبين صاحبنا العربي الذي لايعمل دون رقيب يدفعه للعمل دفعاً وكأنه لا يقبض ثمن ما يقوم به من جُهد..!
قد لا تصدقون لو قلت لكم أنه حالما غادر المراقب عاد العامل الى ما كان عليه بكل استهتار وزاد من سوء فعله أن استند الى جذع شجرة وأشعل سيجارة يمجّ تبغها لخنق أنفاس الضمير الذي قد يلوم تلك النفس الأمّارة بالسوء..! إذاً نحن إزّاء أزمة ضمير مُتدنٍ لا يستيقظ إلاّ بفعل قوّة تأتي من خارج الذات ولهذا فلدينا أكبر عدد من الرقباء في العالم، المُشكلة رغم وجود كل هؤلاء الرقباء فلا زال مُعدّل الإنتاج لدينا يبعث على الأسى. يقول "هيجل": كيف للضمير النبيل المعصوم أخلاقيّاً أن يتحوّل تدريجياً إلى ضميرٍ مُتدنٍ؟؟ الجواب في مشهد صاحبنا العامل وسيجارته.