في غياب دولي عن القضية الفلسطينية برزت المملكة كقوة إقليمية وروحية في الجناحين العربي والإسلامي بأن تتقدم ببادرة إلى مجلس الأمن أن يتبنى مشروع وقف الاستيطان الاسرائيلي بالأراضي المحتلة، والذي تدينه القرارات الأممية، وكل الأعراف.
أمام المجلس أربع وعشرون ساعة للبت بالقرار، وندرك سلفاً أن أمريكا ستعارضه، كالعادة، وتتخذ قرار "الفيتو" باعتبار إسرائيل فوق القوانين وهنا الإشكال في هذه المواضيع، لكن القيمة المعنوية تبقى أساسية أي أن ترحيل القرار، فيما لو فشل في مجلس الأمن للأمم المتحدة يبقي الحق ولا يبطله، لأن المنظمة الدولية التي تتحاشاها كل من أمريكا وإسرائيل، وتعتبرها صوتاً يضيع في الفراغ الكوني لها دلالة إيجابية عندما أعلنت بأغلبية أن "الصهيونية شكل من أشكال العنصرية" وكافحت الفصل العنصري في أفريقيا، وناصرت، من خلال صوت دولي، كل قضايا الشعوب.
الفلسطينيون هم أكبر من واجه الطرد والإخلاء، والتمدد على أراضيهم وعزلهم بباقيها، وتدفق أموال ومساعدات أمريكية سخية حتى في تقديم أحدث ما في ترسانتها العسكرية لإسرائيل بالتالي إذا كان هذا الظلم يتصل بشكل مباشر بالمسؤولية الدولية، فإنه من غير المنطقي أن لا يوجد من يحامي عن الحقوق، والمملكة حين تتقدم بمشروع هذا القرار تطرح واقعاً مأساوياً وقع على شعب بأكمله، ولا تطالب بما هو خارج منظومة القرارات الدولية التي تقر بهذه الحقوق.
وإذا كانت دول كثيرة لديها الشجاعة بتعزيز مثل هذا الموقف، فإنها على إيمان بمشروعيته، ويقيناً أنها تدرك أن لا مجال في المساومة على الحقوق، غير أن المنطق تهزمه رداءة نظام مجلس الأمن الذي تعطله دولة عضو، وهو تعسف لا يتناسب مع حقوق الشعوب والأمم، وقد أسقطت أمريكا ومثلها الاتحاد السوفيتي القديم الكثير من القرارات مما يجعل إعادة النظر بهذا النظام أمراً مشروعاً يجب أن لا يترك بدون رأي كل الدول والتصويت معه أو ضده في اجتماع لجميع الأعضاء بالمنظمة الدولية.
فالاستيلاء بالقوة على الأرض والتمدد عليها وطرد سكانها الأصليين حدث أيام الاستعمار، لكنه بوجود عالم اليوم، لا يوجد من يطبق هذا المنطق غير إسرائيل، وهي بقية القلاع الاستعمارية التي لا تعاقب على أي تعديات على الإنسان الفلسطيني وأرضه وكل ما يملكه.
القضية، إذن، امتحان للإرادة الدولية بالنطق بالحقيقة واعتمادها سلوكاً يطبق على كل الأمم، والمهمة كبيرة، حتى بوجود العوائق الأمريكية، غير أن منطقية القرار، أنه يعاجل مسألة واضحة تشاهد كل يوم ولا يجوز أن ينهزم الحق أمام باطل، وإلا فإن شرعية الغاب هي التي تسود، وتدفعها إليه قوى تنادي بتطبيق العدالة، وفرض الديموقراطية، بينما لا ترى من تعسف إسرائيل إلا أنه وعد إلهي تحقق، وهذه المفارقة بالرؤية، جعلت أمريكا خصماً لكل العالم الإسلامي الذي يرى بانتهاك مقدسات وحقوق الشعب الفلسطيني أكبر ظلم في التاريخ الحديث.