شهد الشهر الماضي بين 4- 6يونيو 2008أعمال المؤتمر الإسلامي العالمي للحوار الذي نظمته رابطة العالم الإسلامي لمدة ثلاثة أيام في مكة المكرمة استجابة لمبادرة خادم الحرمين الشريفين للحوار بين الأديان والتي أطلقها في لقاء حواري سعودي ياباني في 24مارس 2008والتي تعد مرحلة متقدمة من أشكال الحوار الذي تحتاج إليه الأمة الإسلامية بشكل عام والسعوديون بشكل خاص. ويهدف المؤتمر إلى التأصيل الشرعي لمفهوم الحوار الإسلامي مع أتباع الأديان والثقافات والحضارات المختلفة في العالم. وقد ركزت محاوره على تحديد مفهوم الحوار وبيان أهدافه وأسسه ومنطلقاته وكان من أهدافه وضع خطة موحدة للنهوض بمستقبل الحوار وتطويره من خلال تجميع الخبرات السابقة والإفادة منها والتنسيق بين المؤسسات الإسلامية المعنية بالحوار ووضع آلية يمكن من خلالها توحيد الصف الإسلامي. وقد تلقى هذا المؤتمر تغطية وضجة كبيرة نظراً لحساسية الأمر وما يتضمنه من التعامل مع من يعتبرهم البعض من الكفار من أتباع الديانات الأخرى وضم المؤتمر خمسمائة عالم دين إسلامي وضعوا منهاج الحوار وضوابطه مع تحديد آلياته وآدابه.
هذا لكننا نجد أن المرأة المسلمة العالمة كانت غائبة كلياً، فمن بين الخمسمائة مشارك لا توجد امرأة واحدة. فعلى الرغم من أن المرأة المسلمة أثبتت وما زالت تثبت قوة وحكمة في اللقاءات الحوارية المختلفة إلا أنه عندما نصل إلى المستوى الإسلامي الفكري العام نجد أنها تُستبعد. وهذا واضح في مؤتمر حوار الأديان المذكور مما يجعلنا نتساءل عما إذا كان العالم الإسلامي خالٍ من النساء الكفؤات، أو أن من أنجبت الرجال لم تنجب النساء المفكرات؟ الإجابة بالطبع هي أن هذا أمر غير صحيح وأن العالمات المسلمات يملأن فضاء الكون حجة وحكمة وقولاً وعملاً، فما الأمر إذاً؟
إن موقع المرأة المركزي من الإسلام يجعلنا نتساءل عن سبب عزلها وإبعادها عن المشاركة في هذه القضايا المصيرية في الفترات اللاحقة وحتى عصرنا الحالي، فعلى الرغم من أن جزءاً كبيراً من قضايا الاختلاف بين الأديان تدخل المرأة فيها كعنصرأساسي إلا أن هناك تواتراً على استمرارية العزل والإقصاء. إن استبعاد المرأة المسلمة من قضايا الحوار والتباحث معها في أمور المسلمين المصيرية العامة هو جزء من المشكلة التي يعمد الحوار لحلها في الدرجة الأولى ولوضع أسس لتناولها، ولكن موضوع المرأة لا يطرأ كموضوع ملحّ على فقهائنا من ناحية التمثيل نظراً لأن قضية المرأة هي دوماً قضية خاصة وينبغي أن تبقى في إطارها "الخاص"، بينما مؤتمرات دولية إسلامية من شاكلة مؤتمر حوار الأديان فهو قضية عامة لا مكان للمرأة فيه، ومن جهة أخرى فإن علماءنا اعتادوا على الحديث بلسان المرأة عبر العصور حتى اعتبروه أصلاً وصدقوا بأنهم يعبرون عنها بما يكفي. وهذا أمر كما هو واضح فيه تجنّ على المرأة وعلى الإسلام الذي حملت المرأة رايته قبل الرجل ممثلاً في السيدة خديجة، وحملت أمانة تبليغ نصفه السيدة عائشة، وحملت أمانة حفظه بحفظ المصحف الكريم السيدة حفصة، وسجلت أول شهادة في سبيله أم ياسر، رضي الله عنهن جميعاً وأرضاهن.
لقد أسفر مؤتمر مكة المكرمة لحوار الأديان عن الدعوة لأول اجتماع بين أتباع الديانات الأخرى بين 16- 17يوليو من هذا العام أي بعد حوالي أسبوعين في مدريد-أسبانيا، وليست هناك أي إشارة حتى الآن لدعوة نساء من أي من أتباع الديانات سواء الإسلام أو غيره، فنأمل كنساء نعتز بهويتنا الدينية وبانتمائنا وبحقنا في العبادة وحقنا في هذا الدين كما من حق أشقائنا الذكور ليكون لرأينا في الشأن الديني دور كما ينبغي أن يكون وأن نكون مشاركات في الحوار الديني كما في غيره من الحوارات، فالمرأة أثبتت قدرتها على الحوار كما أثبت الرجل قدرته على الحرب، وفي استبعاد المرأة من حوار الأديان إضعاف للنتائج المرجوة من الحوار وتسطيح للمشكلات والقضايا وإخلال بالتوازن في عرضها وحلها. نأمل أن يكون هناك استدراك إيجابي يؤسس لشراكة حقيقية بين أفراد المجتمع.
@ مؤرخة وكاتبة سعودية