بحث



الأحد 3 رجب 1429هـ -6 يوليو2008م - العدد 14622

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


الإرهاب من منظور بنيوي

يوسف أباالخيل
    الإرهاب، كظاهرة اجتماعية، فعلٌ في التاريخ والاجتماع. بمعنى أنه سلوك موجه في لحظة تاريخية واجتماعية معينة. وبما أنه كذلك، فهو، بالتالي، سلوك يتغيأ أهدافا معينة، معلنة ومضمرة، في خطابه. وكونه يبتغي أهدافاً محددة من خلال سلوك مقصود، فذاك يعني أن له، بطبيعة الحال، بواعثَ وعللاً تدفعه باتجاه تحقيق سلوك معين نحو تحقيق أهدافه. وذلك يعني ، في التحليل الأخير، أن الإرهاب بنية لها ثوابت ومتغيرات. وأنه، من ثم، ليس فعلا منفردا استثنائيا منبتَّ الصلة عن بواعثه وأهدافه.

والظاهرة الإرهابية، ككل الظواهر الاجتماعية، لا يمكن عزوها إلى عامل (باعث) وحيد في بروزها. إلا أننا غالبا ما نجد، عند دراستنا لتلك الظواهر، أن عاملا بعينه يبدو أنه الغالب في بروز الظاهرة على السطح الاجتماعي. وفي الظاهرة الإرهابية، نجد أن عامل (باعث) التشدد، الناتج من آحادية الرأي، يكاد هو العامل المسيطر على وسط الظاهرة.

ذلك يدفعنا للتأكيد على أن مكافحة الظاهرة الإرهابية لا بد وأن يشمل جانبيها معاً، أعني جانب البواعث والعلل من جهة، وجانب السلوك المتجه نحو تحقيق الأهداف من جهة أخرى. إذ أن التركيز على جانب دون آخر لن يؤدي، في المحصلة النهائية، إلى تحقيق ما يصبو إليه المجتمع من قضاءٍ مبرمٍ على الإرهاب كظاهرة اجتماعية لها جذورها الممتدة في مفاصل الاجتماعي والتاريخي والثقافي التي تُمِدها بإكسير الحياة كلما خبت أُوار نيرانها الخارجية، لكي تستبدل السلوك الآني بسلوك مستقبلي ينسجم مع التبدل في المواقف، لكنه يظل محكوما بثبات الجذور.

وفقا لجانبي الظاهرة الإرهابية اللذين تحدثنا عنهما آنفا، فإن من الطبيعي أن تتوزع آلية مكافحتها على ناحيتين، الأولى: الناحية العملية التي تتولى مكافحة مخرجات الظاهرة( السلوك الإرهابي). وهذه مهمة الجهود الأمنية التي سيكون عليها، بحكم طبيعة الظاهرة التي تتشكل وفقا لها،كبح جماحه عن طريق الضربات التي توجهها إليه، سواءً في مرحلة الانبثاق الفعلي للسلوك الإرهابي، أو من حيث الضربات الاستباقية لبدء ذلك السلوك . ويحدث ذلك، أعني شن الضربات الاستباقية، في مرحلة تحقيق تفوق عملي ظاهر على الإرهاب. وهو ما تميزت به الملاحقة الأمنية في المملكة عندما تطورت آلية مكافحة الإرهاب فيها من كونها كانت تأتي كردة فعل على السلوك العملي للإرهاب، إلى أن صارت مزامنة لمرحلة بدء السلوك الفعلي الإرهابي، (بداية التحرك نحو الأهداف)، ثم إلى استباق تلك المرحلة وكسر شوكتها! في اللحظة التي تبدو فيها مستعدة للانتقال إلى مرحلة السلوك العملي، وهو تطور قلما يتحقق في المرحلة القصيرة من التعامل مع ظاهرة بنيوية كالظاهرة الإرهابية.

والذي يلاحظه المتابع للدوامة الإرهابية أن القاعدة، في إدارتها لعملياتها الأخيرة، حاولت جاهدة على، مايبدو، الخروج من نمط السلوك الإرهابي الذي ألفته طويلا، والمتمثل بالتفجيرات العشوائية كيفما اتفق، إلى محاولة التركيز على تحديد أهداف بعينها لتكون في مرمى نيران إرهابها. أهداف تمثل عصباً أساسياً للحياة، فكان أن خططت لاستهداف عصب الاقتصاد الوطني والعالمي بمحاولة ضرب المنشآت النفطية، وكذلك محاولة استهداف عصب الأمن الداخلي بمحاولة استهداف ضرب أحد مقرات الإدارة العامة للمباحث، وصولا إلى ما تسميها القاعدة ب "مرحلة التوحش"، التي "بشَّر" بها إنجيل ثورتها الذي عثرت عليه قوات الأمن من ضمن ما عثرت عليه من وثائق في حملتها الاستباقية الأخيرة التي أطاحت بخمسمائة وعشرين إرهابيا كانت القاعدة تعُدُّهم لاحتلال الصفوف الأولى في مساحة التوحش التي وعدتهم بها، فصدق عليهم قوله تعالى: (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم). وشياطين القاعدة وعدوا أتباعهم ب "النصر"، لكنهم، في حقيقتهم، وعدوهم بالفقر والذل والهوان، وهي وعود تتحقق في الواقع العيني على أيدي قوات الأمن الظافرة.

والأمن أولا، ثم الاقتصاد ثانيا، هما أساس وعصب الحياة على هذه الأرض. وبدونهما تصبح الحياة أشبه بمركب يتهاوى وسط بحر هائج لا يلبث أن يلقي بمن فوقه في غياهب اللجج . ولتأكيد أهمية وتراتبية الأمن، أولا ثم الاقتصاد على إثره، في حياة الناس، نجد أن الله تعالى توعد بني إسرائيل بأن يعاقبهم، جراء إعراضهم عن منهجه، بسلبهم استقرارهم في مجالي الأمن والاقتصاد بقوله تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات). فانظر كيف بدأ بالخوف، الذي هو البديل الطبيعي لفقدان الأمن. ثم ثنى بالجوع ونقص الأموال والثمرات. مما يدل على أن الأمن والاقتصاد لازمان لا غنى عنهما، بحال، للحياة الكريمة على الأرض التي استخلف الله تعالى عليها ابن آدم لعمارتها.

أما الناحية الثانية من نواحي مكافحة الإرهاب فهي الناحية الفكرية وهي التي يناط بها مهمة التنطح لمكافحة الإرهاب عن طريق التصدي لبواعثه وعلله. وهي مهمة أهل الفكر والثقافة وحدهم دون غيرهم، الذي يقع عليهم، لا كفل من مهمة القيام بتلك الناحية فقط، بل إن المسئولية كلها ملقاة عليهم للقيام بها بموجب تحليل دقيق لمدخلات الإرهاب المتمثلة في أسبابه وعلله الثقافية بالذات التي تشكل، على ما يبدو، الكفل الأكبر، إن لم يكن الوحيد، في تغذية الذهنية الإرهابية بما يجعلها مستعدة لتلبية نداء شياطين القاعدة. وعملية المكافحة التي نستهدفها لا بد وأن تدار بطريقة علمية مخططة، ومستهدفة لكل موضع أو محل، حسي كان أو معنوي، تتوافر فيه مقومات فكرية لدعم الإرهاب. نقول ذلك ونحن نعلم أن كثيرا من مناشطنا الفكرية لا تزال تختزن الكثير مما يمكن له أن يدعم الإرهاب، سواء أكان! على شكل كلمة أو فكرة أو نظرية أو أيديولوجية.

ومع ذلك فإن الحديث عن الدعائم الثقافية للإرهاب على وجه العموم، لا يمنعنا من أن نخصصها هنا بالتأكيد على أن أبرزها، التي نعايشها حاليا، تبدو متمثلة بداء التكفير الذي يمارسه أفراد ومجموعات ضد أفراد ومجموعات أُخَرَ يتقاسمون وإياهم مسئولية الحفاظ على أمن وسلامة الوطن. نقرأ بين الفينة والأخرى بيانات يصدرها من يطلقون على أنفسهم مشايخ وطلبة العلم ضد أتباع مذاهب بعينها. وعادة ما تُضمَّن تلك البيانات جُلَّ ما تتوافر عليه اللغة من مفردات إقصائية و تبديعية وربما تكفيرية. هذا الداء التكفيري يشكل، ولا شك، أبرز ما يتكئ عليه الفكر الضال لكي يعشش بيننا ويترعرع، ومن ثم يتحول، على أيدي بعض المريدين السذج، إلى مفاصلة عملية جهادية ضد وطنهم ودولهم، من منطلق يقينهم ! بزيغ وضلال وكفر المجتمعات والدول التي ترتضي لمثل أولئك الأفراد "الكفرة و المذاهب الضالة"، التي تتقصدها البيانات والفتاوى التكفيرية، أن تعيش بينها!!!. والبديل الناجح للتنافر الإقصائي ،الناتج من التكفير والتكفير المضاد، يكمن في إحلال الوطن ليكون حاضنا وحيدا للرؤى والمذاهب المختلفة. لكن الوطن بمفهومه الحديث مفردة غائبة تماما عن الفكر الإقصائي، مهما كان مصدره.

إن مما لاشك فيه أن الفكر، أي فكر، وعلى رأسه الفكر الإرهابي، لا يمكن أن ينبت في فراغ. وانطلاقا من هذه الحقيقة، فإن الإرهاب المعنوي، (ورأس سنامه التكفير)، ليس إلا ابنا شرعيا للتطرف، والأخير ليس إلا ابنا شرعيا للتعصب الذي بدوره ليس إلا ثمرة لبذرة الآحادية وغياب التعددية. وهكذا فالإرهاب، بمفهومه الشامل، ليس إلا سلسلة ممتدة من الحلقات، كل حلقة تؤدي إلى الحلقة التي تليها، حتى يصل الأمر بالمريدين إلى الحلقة الأخيرة المتمثلة بالإرهاب الحسي.

ولكبح جماح التكفير و الإرهاب على إثره ، لا بد لنا من إعادة تشكيل مشهدنا الثقافي، المسكون بالآحادية، بتطعيمه بالرؤى التعددية التي تحارب التعصب بدواء توطين مفهوم نسبية الحقيقة. التي تعني أن للحقيقة، أياً تكُ تلك الحقيقة، عدة وجوه، وكل وجه منها يمكن الاستدلال له بموجب رؤى ثقافية مؤسسة على منظومات ثقافية عزيزة على قلوب أتباعها، بغض النظر عن إن كان الآخرون، المشاركون في المجتمع، يتماهون معها من عدمه.

ومع توطين التعددية في مفاصل النظام التربوي لا يبقى إلا المراهنة على الولاء للوطن، كمفردة إجماع وحيدة وسط تعدد الرؤى والمذاهب. وهي مفردة تشكل، ولاشك، ضمانة كبرى وصمام أمان في وجه شياطين الإرهاب ممن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا. وهذه الضمانة لا بد لها من تدعيم أركانها، التي يأتي على رأسها، بالإضافة إلى رفض التكفير أياً كان المظهر الذي يتخذه، توطين الإحساس بأن الإساءة إلى أي طائفة أو مذهب، يتعاطى مريدوه الانتماء إلى الحمى المقدس لهذا الوطن، مرفوض من الجميع، على أي شكل أو مظهر اتخذته تلك الإساءة، وسواء صدرت من فرد أو من مجموعة، ضد فرد أو مجموعة أيضا. بحيث يكون الوطن والانتماء له ولقيادته خط أحمر لا يجوز الاقتراب من

8 تعليقات
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


فعلاً , كلام الأخ حمود ابراهيم سديد.
وأيضاً محاولة صاحب المقالة فرض التعددية الطائفية وحماية أفرادها من النقد بأي شكل تحت غطاء الوطنية وتفسير هذا النقد بأنه إرهاب أولاً وخرق للوطنية ثانياً.
مؤسس هذه الدولة وأبناؤه الكرام رحم الله أمواتهم وحفظ أحياءهم كانوا ولا زالوا يشددون على قضية العقيدة , وأن هذه الدولة قامت على عقيدة التوحيد وستبقى على ما قامت عليه.
والتعددية الطائفية ما هي إلا داء عضال يفت جسد الأمة الواحدة القائمة على العقيدة الصافية , ولنا في دول قريبة لنا أعظم مثال.


أبو محمد
ابلاغ
10:30 صباحاً 2008/07/06

 


اعجبني كلامك في اخر المقال نعم يجب الولاء كل الولاء للوطن وقيادته الرشيده اما بالنسبة للتعدديه المذهبية فيجب توطينها في النظام التربوي وكذلك يجب الاعتراف والتحاور مع اهل الكتب السماوية واحترام معتقداتهم وهذا ديدن مليكنا الله يحفظه من كل مكروه. ويجب كبح جماح المتشددين الداعين للتكفير والغلو في الدين هولاء المملكة ما جنت منهم الا الاساءة لسمعتها ومكانتها الدولية , الناس خلقوا علي امم وطوائف شتى والمتشددين لدينا يريدون كل الامم طائفة واحدة علي مذهب واحد اخي ابو يوسف مناهجنا هي السبب في ذلك.


ابو مهند
ابلاغ
12:52 مساءً 2008/07/06

 


علاج الإرهاب يحتاج مراجعة عميقة للفكر الإقصائي والصوت الواحد المهيمن على خطابنا. نحن بحاجة إلى إعادة صياغة لرؤيتنا للعالم والأديان والمذاهب، يجب علينا التفكير أن هذا الكون أرحب بكثير من نظرتنا الضيقة النابعة من جغرافية المكان وخصوصية التجربة وعدم تعرضها لمراجعات.


فهد العنزي
ابلاغ
12:55 مساءً 2008/07/06

 


محاربة الإرهاب ليست بتعطيل النصوص الشرعية ووضع قوانين افتراضية فكرية فيها بعض الخلل،واستغرب من كلام الكاتب بتفعيل الوطنية وترك الجانب الاخر لأن حب الوطن والدين في دمائن كامسلمين وكذلك البلدان الأخرى حب الوطن والدين يسري فيهما وهم غير مسلمين.
دع النصارى واليهود يتركون اعتقداتهم ان استطعت ونحن نعلم ان الكتب الموجوده عندهم محرفه.
الخلل ليس في الدين بل تطبيق الدين عند بعض المسلمين مثل انتشار بعض الخرفات والبدع مثل التصوف والغلو في بعض الصالحين والتطرف في بعض البلدان الاسلامية


محمد بوناصر
ابلاغ
01:13 مساءً 2008/07/06

 


لم توفق في مقالك اليوم
وبالنسبة لرد الأخ ابومهند!!
هل انت إرهابي او متشدد ؟
ماعلاقة المناهج بالإرهاب، الإرهاب له مناهجه.
إن كان كلامك صحيحاً فجميع من درس هذه المناهج فهو إرهابي بلا استثناء.
حدث العاقل بما يعقل.


miss k.s.a
ابلاغ
01:46 مساءً 2008/07/06

 


شيخ يوسف..انت كمن ينثر الدر في حاشية البهم
لقد اسمعت لو ناديت حيا.ولكن.لا حياة لمن تنادي
ملاحظة:
قولك..إلى مفاصلة عملية (جهادية) ضد وطنهم ودولهم
الصحيح ان تقول..إرهابية أو تخريبية..وليست جهادية
اتفق معك في كل نقطه ذكرتها.. وخاصة ان تلك البيانات التي يطلقها القساوسة...ستودي من واقع التسلسل التكفيري الى تكفير الحكومة والوطن الذي رضي بإعطاءهم الجنسية وسمح لهم بالعيش فيه؟؟؟
هذه خاتمة البيانات التكفيرية...فهل ستعي الدول خطورة هولاء المتسمون..طلبة علم ومشائخ؟
والله يرعاك


فهد
ابلاغ
03:18 مساءً 2008/07/06

 


أستاذ يوسف
نجد في كتاب "إدارة التوحش"
أن القاعدة ورئيس مجلس إدارتها مسيلمة بن لادن "قد أفلسوا"
فكريا وماديا وأصابت حججهم الكبر والترهل والشيخوخة
وإتسم الكتاب بالتخبط والقرارات الغبية
فيأسوا.. فمرضوا.. فإستوحشوا
.
فأخذوا يستجدون أعوانهم بتجميع الأموال بالسرقة
ثم مطالبتهم بضرب النفط وقتل الصحفين ونشر الفساد
لتنشغل الدولة وأجهزتها الأمنية فيعم الفساد
.
هؤلاء ومن ينتمي لفكرهم ويروج له مجرد "عصابة مجرمين قتله"
.
محاربة الفكر يجب أن يكون من منبعه
ويجتث من التعليم والمساجد وحلقات التحفيظ!


عبدالله بن محمد
ابلاغ
05:11 مساءً 2008/07/06

 


اسمح لي استاذ يوسف ان اطبع قبلة على جبينك انا من المتابعين دوما لمقالاتك واستمتع بقرائتها لما تمثله من احترام لعقلية القارىء وتجسيد لمبادىء الوطنيه وشكري موصول لجريدة الرياض لما لاتاحتها للقراء الفرصة للتواصل مع عدد من الكتاب الرائعين


حسن عيد
ابلاغ
11:03 مساءً 2008/07/06


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية