بحث



الأحد 3 رجب 1429هـ -6 يوليو2008م - العدد 14622

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


للعصافير فضاء
الصراع الأزلي

نجوى هاشم
    من أجمل الأحاسيس التي يمكن أن يشعر بها الإنسان لحظات تغلبه على رغباته، وتحجيم نفسه عنها.

ومهما كانت تلك المشاعر المتعددة التي يركن إليها الإنسان عادة ويسعد بها ويشعر بطعم معايشتها تظل لا تساوي شيئاً أمام قدرته في الوقوف أمام رغبة جارفة قد تقوده إلى كارثة، أو خطأ، أو إثم يرتكبه.

ولذلك كانت مغالبة النفس جهاداً في حد ذاتها، لأن جهاد النفس من أصعب الأمور التي من الممكن أن يقوم بها الإنسان.

فالجهاد في ساحات المعارك لا يحتاج إلا إلى جسارة، وإيمان بهذه المهمة ضمن إعدادات أخرى تساعد المجاهد على التأقلم والانطلاق والإحساس بأنه ليس وحيداً.

لكن جهاد النفس هو الأقوى والأعنف، فالمجاهد يقف وحده على أعتاب عدم الدخول إلى دائرة المعاصي، والأمر بالسوء، لا أحد معه في تلك اللحظة ولا أحد يغلق الحدود أمامه.

ولا أحد يسلمه قائمة المنع، أو يخبره بأنه شخص غير مرغوب فيه، وليس بإمكانه الدخول.

يقف أمام بوابة رغباته منفرداً مهما كان عدد من يدفعونه إلى تلك البوابة.

يقف إذا أراد بإصراره هو على اقتحام الخطأ، بنفسه منطلقاً من مبدأ أن المرء هو أصل كل ما يفعل.

يعتقد أحيانا وهو يدخل بجسارته أن الحياة مغامرة قوية، ولا شيء غير ذلك. ولا بد أن يعيشها، ويجربها، طالما أن هناك ملذات من الممكن الحصول عليها دون جهد أو ثمن.

يحاصره إحساس الرغبة القوية التي تفتح له كل الطرق إلى جميع الأشياء وتجعل لا شيء مستحيل.

يفتقد فجأة الصبر والمغالبة حتى وإن كان صبوراً تجاه نفسه بالتحديد، يعبر من قول ذلك الزاهد (الدنيا سجن لمن زهد فيها، وجنة لمن أحبها).

وهو يقاتل أحياناً لكسب نفسه وإشاعته داخلها بأنه يمتهن الفضيلة طالما تجنب الرذيلة متناسياً، أن الوصول إلى الفضيلة لا تتأتي إلا من خلال عدم اشتهائها كما قال "برنارد شو".

يطلب المستحيل، ويجول في شرايينه رغم أنه قد يتحصل على الممكن ويستمتع به.

يأسره الباطل، وتسرقه لحظاته، رغم معرفته بالحق إن حاول استدعاءه من داخله يقول سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: (جولة الباطل ساعة، وجولة الحق إلى قيام الساعة).

يغامر معتقداً أنه غير قادر على كبح جماح نفسه، بل وضعها في دائرة المشاكل، لا يعنيه أن يتلقى الضربات، أو يضيع هدفه في الحياة، أو يتحول إلى إنسان ضعيف لا يعرف قيمة نفسه، يغيب ضميره أمام كل الأشياء، صفحاته المفتوحة دائماً هي رغباته التي لا تهدأ ولا يستطيع أن يكبحها، أو يشبعها.

يحاصره الفشل لأنه ظل أسير رغباته، ولذلك قال أحدهم الناس عبيد لشهواتهم.

وهو في خضم هذه المغامرة وهذا السقوط، والمهمات الصعبة التي يتخيل أنه يقدم عليها لإرضاء نفسه، وترك حبلها على الغارب، متجاهلاً أن عليه ترويضها وكبح جماحها، والإمساك بلجامها، ومجاهدتها مهما كانت الرغبة قوية، عليه أن يجدد صلته بها، وأن يبعدها عما يضيرها، ويعجل بهلاكه، عليه أن يقترب من الله عز وجل، ويعزز علاقته بمن حوله لتطمئن نفسه، وأن يكون هو الأقوى في ذلك الصراع بينه وبين المعصية. وأن لا تروق نفسه إلى الخطأ بل عليه أن تكون نفسه تلك النفس اللوامة بعيداً عن كارثة تزيين الخطأ التي تحاصر المخطئ ويجعل لها مبرراً، جاء في القرآن الكريم على لسان سيدنا يوسف في سورة يوسف الآية 53(وما أبّرئ نفسي إنّ النفسَ لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إنّ ربي غفُورٌ رحيم) صدق الله العظيم.

ونحن جميعاً في مركب رحلة الحياة ليس لدينا أجمل ولا أروع من إحساس التصدي بالمرصاد لهذه النفس التي تدفعنا إلى الخطأ بل وتزينه لنا وتيسر الشهوات، وتفقدنا احترام الآخرين واحترامنا لذاتنا وهو الأهم وتدفعنا إلى طريق مجهول مغموس بالمعاصي والعقاب من الله سبحانه وتعالى.

5 تعليقات
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


السلام عليكم
بالفعل استاذه نجوى ليس هناك اجمل
من مجاهدة النفس في سبيل الله
شكرا لحرفك الطاهر


عسل ورد
ابلاغ
11:17 صباحاً 2008/07/06

 


صباح الورد ياأستاذتنا الرائعة دوما
ذكرت في مقالك الجميل أن الانجرار وراء الرغبات والملذات قد يفقدنا احترام الناس لنا واحترامنا لأنفسنا وأريد أن أضيف أيضا أن التصرف بعفوية وحسن نية عندنا نحن العرب يعد "عبطا " وغباء وضعفا في الشخصية ويطلق على من يتصرف بهذا الشكل "مخفه" أو "خفيف" مهما كان مقدار الذكاء والقوة التي يتصف بها ويصنف في قائمة البلهاء ويفقد احترام مجتمعنا "العظيم !!" وبالتالي احترامه لنفسه.


بيزنس ويمن
ابلاغ
11:22 صباحاً 2008/07/06

 


بالفعل, لا يشعر المرء بلذة أكبر من لذة الانتصار عن الهوى والنفس الأمارة بالسوء (حتى لو كان مريحاً), فكم من يوم يشعر فيه الانسان أنه بحاجة الى هذه اللحظة البسيطة حتى يرتاح, ويتفاجأ بمرور الوقت أنه لم يرتح الا لوقت قصير جدا بل إنه قد زادت معاناته. وكان من الافضل له أن يؤدي ماهو مطلوب منه كما يجب وذلك بكبح جماح نفسه الامارة بالسوء, عندها سيشعر فعلا انه مرتاح بشكل حقيقي و لمدة أطول. فالمتوجب على الانسان أن يدافع الخطأ ويعترف به ويعود عنه, حتى لا يعود عبداً للخطأ الذي يحاصره وينغّص عليه حياته.


علي الضويلع
ابلاغ
11:27 صباحاً 2008/07/06

 


من أجمل ما قرأت اليوم !
استاذه نجوى شكراً !


خالد
ابلاغ
01:48 مساءً 2008/07/06

 


..
من الأولى والاهمية بمكان أن يبدأ الانسان بذاته قبل أن يبدأ ويتناول ذوات الآخرين وأن يعي ويمارس النقد الذاتي وكبح جماح النفس ويرقب ويراجع ذاته باستمرار إنطلاقا من وازع ضمير حي وبما يرضي الله عز وجل..
وان لا يكون كمثل اللذين بأمرون بالمعروف وينسون أنفسهم واللذين يريدون الأخذ في كل شيء دون روح العطاء..
وان يتصالح الانسان مع نفسه فيحترمهاحتى يتصالح مع الاخرين ويحترمهم ويحترمونه..


غدي
ابلاغ
08:35 مساءً 2008/07/06


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية