د. حسناء القنيعير
الإرهاب فعل إجرامي يتنافى مع كل التعاليم الدينية والقيم الإنسانية الداعية إلى المحبة والرحمة والرفق وعدم الإضرار بالأوطان والأموال والناس. وما كان يخطط له أولئك المجرمون مما كشفت عنه الأحداث الأخيرة يمثل تطورا في أساليبهم ليس في مواجهة الدولة فقط التي يريد كبيرهم ابن لادن من وراء ذلك كله أن يحل محلها، بل في مواجهة المجتمع كله الذي يريد تطويعه لدولة الخلافة (التي تقيم شرع الله !!)، نجاح الإرهابيين وتغلغلهم في عمق بلادنا على هذا النحو من التخطيط والتنظيم والعمل المتقن الذي يحدث في غاية الطمأنينة، يؤكد تمتعه بالحماية والدعم الماليّ والفكريّ واللوجستي، وهو دليل صارخ على فشلنا في إقرار فكر عقلاني بديل وثقافة عصرية مضادة، وقد ضاعف من فشلنا هذا تزايد مواقع الانترنت التي تدعم الإرهاب وتروج له كمجلة صدى الجهاد التي قبض على المسؤول عن تحريرها مؤخرا، هذه المواقع تقوم بدور الجسر الذي تمرر عليه خطط ورسائل شيطان الإرهاب الأكبر ابن لادن ومساعده الظواهري، وغيرهما من رؤوس الإرهاب إلى الناس في العالم بصفة عامة وبلادنا بصفة خاصة، ليتلقاها الشباب ممن لديهم استعداد نفسي وانحراف فكري وسلوكي فينخرطون في ذلك التيار، إما تعاطفا وإما انجرارا إلى بطولات مزعومة وإما تصديقا لأكذوبة الفوز بالحور العين في الجنة التي لا يدخلها القتلة الفجرة.
لقد شكلت الأحداث الأخيرة منعطفا خطيرا في استراتيجية الإرهابيين التي ظهرت في أهدافهم الخطيرة والتغيير الجذري في أساليبهم، وعلى رأسها تجنيدهم وافدين استغلوا كرم هذه البلاد وطيبة أهلها فانخرطوا في منظومة المجرم ابن لادن، مما يشعر أننا سنواجه مزيدا من أعمالهم وخططهم الأكثر توحشا وعنفا نظرا لكثرة المقيمين في بلادنا والوافدين للمواسم الدينية التي يستطيعون بسببها القدوم للبلاد متى أرادوا، فيجندونهم كما يجندون بعض المقيمين كتلك المرأة التي أدارت موقعا لتجنيد النساء للفكر التكفيري، وقامت بكل ما قامت به في غاية الاطمئنان .
إن مما يبعث على الخوف استخدامهم النساء في الترويج لإرهابهم مستغلين وضع المرأة في بلادنا الذي لا يماثله شيء في العالم، من حيث تواريها في الظل وعدم انخراطها في الحياة العامة، وتكللها بالسواد من رأسها إلى أخمص قدميها، الأمر الذي يسهل للمجرمات القيام بما يطلب منهن فلا يفرق رجال الأمن بين الإرهابية وغيرها فالكل سواء تحت سحب السواد، مادمن يتحركن في نطاق من السواد لا يعرف ما كنهه وماذا يخفي تحته، ولعل مما يشجع أولئك الوافدين على ممارسة تلك الأعمال الإجرامية هي فرط الثقة التي يوليها بعضنا لكل من قصر ثوبه وأطال لحيته، حتى صار بعضهم لفرط الثقة غير المسؤولة أئمة مساجد ومعلمين في حلقات تحفيظ القرآن، وغير ذلك مما أحسن بعض الوافدين استغلاله لتمرير فسادهم وتسويق إرهابهم، ولعلنا لا زلنا نذكر معلم تحفيظ القرآن الذي قبض عليه في الرس متلبسا بحمل شرائح جوال تحوي مقاطع إباحية، وإمام المسجد البنغالي الذي قبض عليه في أحد أحياء الرياض يدير وكرا للدعارة والآخر الذي حاول اغتصاب أحد الأحداث في المسجد الذي يعمل فيه، إنه إذا كانت الشرطة قد وفقت في القبض على هؤلاء وهم متورطون بأعمال غير أخلاقية، فمن ذا الذي يضمن ألا يوجد غيرهم في المساجد وحلقات تحفيظ القرآن يروج للإرهاب ويجند الصغار والشباب له، وعندما نقول نحن وغيرنا انتبهوا لما يحدث في المساجد وفي حلقات تحفيظ القرآن، تقوم الدنيا ولا تقعد اتهاما للجميع بأنهم ضد تحفيظ القرآن في حين أننا ضد التسيب وعدم المسؤولية وفتح الباب على مصراعيه لكل من هب ودب وادعى التدين نفاقا وضحكا على اللحى!! ثم كيف نفسر أن امرأة وافدة تملك كل تلك القوة والثقة المفرطة والشعور بالأمن، فتعمل على تجنيد النساء للفكر التكفيري دون أن يعتريها أدنى خوف من مساءلة، أو حتى تحسب حسابا للأرض المقدسة التي تقيم عليها في جوار نبي الإسلام الذي تدعي هي والأباليس التي جندتها أنهم يؤمنون بما أرسل به؟ كيف يتناغم هذا مع التدين الذي يزعمونه؟ مما يؤكد أنها لا تقل إجراما عمن جندها، وأنها تعي تماما أنه لا أحد يمكن أن يشك فيها، أو حتى يخبر عنها ما دامت تدعي التقى والصلاح في مجتمع أولع بالمظهر والشكل الخارجي فسهل خداعه باسم الدين ! إن السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هو: ما الذي يضمن توبة مثل تلك المارقة، وأنها لن تعود لممارسة إجرامها بعد أن أطلق سبيلها؟؟ لاسيما أن التواصل عبر الإنترنت لا يعترف بالحدود الجغرافية، ترى كم أم أسامة غيرها ما زالت تعيش بيننا وتعمل في غاية الاطمئنان مجندة ما شاءت من النساء المتطرفات ؟؟يقول أحد الكتاب العرب :
نشهد اليوم زمن الانتحاريات اللواتي باشرن الانخراط في جيش الانتحاريين، بدءاً بالعراقية ساجدة الريشاوي والبلجيكية مورييل ديغوك، وصولا إلى انتحاريات المسجد الأحمر في إسلام آباد، وانتحاريات المسجد الأحمر الناجيات من عملية اقتحامه في العام الماضي حيث قتل منهن نحو ألف امرأة كن طالبات في مدرسة حفصة التابعة للمسجد، لم يدم الأمر طويلاً فما هي إلا أشهر حتى بدأت نساء بشتونيات ناجيات بتنفيذ عمليات انتحارية في أهداف عسكرية ومدنية في باكستان. الانتقال من كونهن نساء مستضعفات في بيئة تقليدية شديدة العداء للمرأة، إلى نساء قاتلات ومقتولات (أمر يدعو إلى العجب كما هو الشأن في بلادنا) ويواصل الكاتب قوله: أشهر قليلة فقط احتاجها هذا التحول، حتى يكاد المرء يشعر أن هذا الانتقال وبائي أكثر منه سياسي أو ديني. ثم يورد في سياق تثبيت الزمن بصفته علامة أكيدة في تحديد هوية الانتحاريين والانتحاريات، إجابة حصل عليها في العام 2005من أحد المسؤولين عن مكافحة الإرهاب في إحدى الدول العربية، عندما سأله عن تفسيره لعدم وجود نساء بين أعضاء الشبكات الإرهابية في حينها، فقال حرفيا: (نحن في الأجهزة الأمنية نلعب مع هذه الشبكات على المكشوف، ثمة رسائل متبادلة بيننا وبينهم، سبق أن بعثت رسالة مباشرة للجماعات الجهادية السلفية، مفادها أن اكتشافنا لنساء يعملن في هذه الشبكات سيؤدي إلى حملات اعتقال تطال نساء معظم الفارين والمختبئين والمعتقلين). وأضاف المسؤول (اعتقد أنهم يرتعدون من فكرة اعتقال نسائهم وهذا ما يفسر إحجامهم عن إشراك النساء في أنشطتهم)!
هذا الكلام يعود إلى 2005أما اليوم فثمة واقع جد مختلف، وتجنيد المرأة أصبح واقعا ماثلا في أجندة الإرهابيين الذين لا يتوانون عن استغلال كل نقاط الضعف في مجتمعنا لتحقيق أهدافهم الإجرامية !
إن ما كشفت عنه الأحداث الأخيرة ينبغي اعتباره تطورا في استراتيجية الإرهابيين، والنظر إليه من خلال آلياته وأساليبه الجديدة وفي سياق الأحداث التي شكلته، ومن خلال كل الظروف الحافة به التي أنتجته وساعدت على انتشاره ورواجه عبر المواطنين والوافدين. إن الذين لا يأخذون هذه المعطيات بعين الاعتبار ولا يضعون الإرهاب في إطاره الحقيقي وأهدافه المعلنة وغير المعلنة يتحولون تلقائيا إلى متواطئين معه ومباركين له، ذلك أن الاكتفاء بإنكاره نوع من المهادنة الفكرية لا تخفى على ذوي البصائر، وحيث إنه لا توجد أولويات في التعامل معه فلا بد من مواجهته بأسلوبه فلم يعد النصح كافيا لأنفس ترسخ في اعتقادها كفر الدولة وكل المواطنين الذين لا يوافقونهم على إرهابهم. هؤلاء لاعلاج لهم سوى القتل ومعاملتهم بالسلاح نفسه الذي أرادوا تسليطه على المواطنين الأبرياء وثروات الوطن ومقدراته .
إنه ليعتري الكثيرين منا العجب كيف يناصح مجرم حمل السلاح وأشهره للقتل والتدمير والتفجير؟ كيف تمنح الحياة لمن أراد سلبها من مواطنين أبرياء وتخريب وطنهم ومصادر رزقهم؟
إن التطرف أعتى سلاح تستخدمه قوى الإرهاب لتدمير منجزات المجتمع وتأجيج النعرات والخلافات داخل بناه، والدليل على ذلك كتابهم الذي وجد بحوزة الإرهابيين الذي يرسم خططهم الإجرامية ويصور أهدافهم الخطيرة التي تؤكد إصرارهم على المضي فيما هم عازمون عليه من تخريب وفساد في المنطقة العربية بوجه عام وبلادنا بوجه خاص، تحقيقا لأهداف شيطانهم المارق الأكبر ابن لادن عميل الموساد الذي يتميز حقدا وكراهية للأرض التي أنعمت عليه!! فماذا نحن فاعلون لمواجهة هذا المخطط الإجرامي؟ لقد كشفت الأحداث الإرهابية في بلادنا عن صورتين متناقضتين، الأولى صورة رجال الأمن الذين يتصدون بكل شراسة للإرهابيين ويقدمون أرواحهم فداء للوطن في هذه المواجهة غير المتكافئة، من حيث إن الإرهابي يقدم على الإرهاب غير مبال بالموت معتقدا بسذاجة وجهل أن الحور العين متأهبات لملاقاته، فيدفع بعض رجال الأمن حياتهم في معركة عبثية ضد فئة مجرمة لو كان لديها ذرة من دين أو عقل أو حس وطني لما أقدمت على ما أقدمت عليه، والثانية صورة رجال يُحسبون على الدين، رجال أعمال وأساتذة ومعلمون ودعاة يلبسون لباسه ويتحدثون بلسانه فيمررون فكر الإرهاب وثقافته ويزرعونه في أذهان فتية لا يعقلون، فيزينون لهم تدمير وطنهم وتخريب مقدراته، ويتسترون على الإرهابيين ويموهون ويضللون رجال الأمن بل ويساعدون على قتلهم ويدعمون الخلايا الإرهابية بالأموال والسلاح والعتاد ! أولئك الداعمون كأني بهم أولئك الذين قتلوا الحسين وكانوا لا ينفكون عن السؤال عن حكم دم البعوضة ! فهم مع ما يقومون به من دعم للإرهابيين، تقوم قيامتهم ضد الذين يطالبون بتوسيع مجالات عمل المرأة ويقفون حجر عثرة أمام أي توجه نحو التجديد والتغيير للخروج من نفق السنوات العجاف التي هيمنت فيها أفكارهم المتشددة!!
أما كتاب الإرهابيين المطروح في مواقع عدة على الإنترنت حيث يقرأه الصغار قبل الكبار، الذين يمكن أن يخدعوا بما يحويه فيسهل وقوعهم ووقوع البسطاء وعديمي الفهم ومن في قلوبهم مرض في فخ أفكاره التي تتكئ على مقولات الدين، فما أحرانا بفضح زيفها وتعرية انحرافها عبر وسائل الإعلام ومحاربتها بالسلاح نفسه، ولعلي أستعرض فيما بقي من مساحة الإطار العام لكتاب التوحش. الذي وضعوا له عنوانا هو: إدارة التوحش، أعقبه تعريف: أخطر مرحلة ستمر بها الأمة. هكذا يقدمون الكتاب الذي ألفه مارق منهم اسمه: أبو بكر ناجي، ولا نعلم ما حقيقة الاسم فربما كان اسما حركيا .
يتضمن الكتاب: مقدمة، ومبحثاً تمهيدياً: النظام الذي يدير العالم منذ حقبة سايكس بيكو، ووهم القوة أي: مركزية القوى العظمى بين القوة العسكرية الجبارة والهالة الإعلامية الكاذبة. أما المباحث فهي: المبحث الأول: التعريف بإدارة التوحش وبيان السوابق التاريخية لها. الثاني: طريق التمكين. الثالث: أهم القواعد والسياسات التي تتيسر باتباعها خطة العمل، وتتحقق أهداف مرحلة (شوكة النكاية والإنهاك) بصفة عامة، وأهداف مرحلة (إدارة التوحش) بصفة خاصة .
وأما الفصول وباقي المباحث وما تحويه من مقالات فهي: الفصل الأول: إتقان فن الإدارة. الثاني: من يقود ومن يدير ومن يعتمد القرارات الإدارية الأساسية. الثالث: اعتماد القواعد العسكرية المجربة. الرابع: اعتماد الشدة. الخامس: تحقيق الشوكة. السادس: فهم قواعد اللعبة السياسية للمخالفين والمجاورين جيدا والتحرك في مواجهتها والتعامل معها بسياسة شرعية السابع: الاستقطاب. الثامن: قواعد الالتحاق. التاسع: إتقان الجانب الأمني وبث العيون واختراق الخصوم والمخالفين بجميع أصنافهم. العاشر :إتقان التربية والتعلم أثناء الحركة كما كان العصر الأول .
وفي المبحث الرابع يعرض: أهم المشاكل والعوائق التي سنواجهها وسبل التعامل معها. وهي:
1- مشكلة تناقص العناصر المؤمنة، - 2مشكلة نقص الكوادر الإدارية، 3- مشكلة الولاء القديم لعناصر الإدارة. 4- مشكلة الاختراق والجواسيس 5- مشكلة التفلت أو الانقلاب من أفراد أو مجموعات أو مناطق بأكملها تغير ولاءها (كيف نتفهمها؟ وكيف نتعامل معها ؟) .
أما المبحث الخامس فقد افتتح بسؤال: هل توجد حلول أيسر من ذلك الحل؟ والإجابة على هذا السؤال تتضمن سبع مقالات: الأولى: معركة الصبر. الثانية الابتلاء بين النفس البشرية وسنن الله في الدعوات. الثالثة: رجالنا وأفراد العدو تحت النار. الرابعة: السنن الكونية بين الأخيار والأغيار. الخامسة: منهاجنا رحمة للعالمين. السادسة: فتنة المصطلحات، المصلحة والمفسدة أنموذجا. السابعة الاستقطاب والمال.
وفي ظني أن الاستقطاب والمال هما مربط الفرس فبدونهما لن تقوم لحزب الشيطان هذا قائمة .