د. فدوى سلامة أبو مريفة
كعادته أتحفنا الأستاذ يوسف الكويليت بكلمة "الرياض" في عددها الصادر يوم الثلاثاء الموافق 29من جمادى الأولى 1429ه بعنوان (الكفاءة العلمية .. كيف نوجهها) حيث ذكر في مقاله أن (التوجه في جامعاتنا إلى المعرفة واقتصادها لا بد أن يضع الموهبة البشرية في ميزانها الطبيعي)، وقد شدني عنوان المقال لقراءته وقراءة التعليقات عليه من خلال موقع الصحيفة الإلكتروني، هذا الموقع الذي أصبح بمثابة منتدى ثقافي وملتقى فكري لقراء الصحيفة وقد نكأ الكويليت الجرح وأثار حزني وشجني على أطفالنا الذين لديهم بذرة إبداع.. وزاد أسفي على معلمي الصفوف الأولية في بعض مدارسنا، فبعضهم للأسف نموذج حي لدفن الإبداع ووأد المواهب لأنهم غير قادرين على التعامل مع الأفكار الذكية التي تشع في أذهان بعض الطلاب في سن مبكر، فضلاً عن أن بعضهم ليس لديهم معرفة بالأساليب التربوية المنهجية الخاصة بهذا السن وغير متفهمين لسيكولوجية الطفولة حتى يتمكنوا من التعامل مع الطلاب في هذه المرحلة الدراسية الهامة. فمثلاً نجد الطالب ذا النشاط الحركي يقابل بجملة (اطلع برا الفصل) والطفل ذو النشاط الذهني الذي يقذف بعبارات واستفسارات ذكية يقابل بكلمة (اسكت). والسؤال لماذا يتراجع مستوى تفكير أبنائنا بعد دخولهم للمدرسة؟ بمعنى لماذا لا ينمو تفكيرهم بنفس المستوى الذي كان ينمو به قبل المدرسة؟ ولماذا يكره أبناؤنا المدرسة؟. وما أتحدث عنه هنا ليس قصراً على التعليم في بلادنا ولكن الخلل يمتد إلى معظم المدارس في الدول العربية.
حدثتني إحدى الأخوات عن تجربتها المريرة فتقول قبل أن يبدأ ابني الصف الأول، أودعته دار الحضانة والروضة لمدة أربعة أعوام وكان يتعلم في جو من المرح والعطف واللطف مراعاة لسنة الغض، وقد انتهى من تلك المرحلة وهو متمكن من جميع الأحرف والأرقام العربية والانجليزية بل إنه تمكن من كتابة بعض الكلمات وأصبح لديه القدرة على التعبير عن أفكاره بشكل منظم ولم يكن يشوب سلوكه العنف بل كان يتميز بالجرأة المحمودة، واعتقدت في حينه أن الطريقة للسنة الأولى ابتدائي ممهداً ولن أعاني مثل بقية الأمهات، وتواصل حديثها وتقول: بالفعل هذا ما شعرت به في الشهر الأول من بدء الدراسة وتم منحه شهادة تفوق بعد مرور شهرين.. ثم ماذا؟؟ بدا المنحى يتراجع ليصل إلى القاع وبدأت ألحظ عدم تقدم ابني في القراءة والكتابة وبدا التشويش واضحاً على شخصيته في طرحه للأفكار وصار أول شيء يفعله عند وصوله للمنزل هو قذفه للشنطة وقسمه بأنه لن يعود غداً لهذه المدرسة التي تعاقب دون سبب!! إلى أن أصبح الطفل المشاغب في الفصل وعجز طاقم المدرسة عن ترويضه فما كان منهم إلا أن استدعوا والده في آخر العام الدراسي متذمرين من سلوكياته (الوكيل والمرشد الطلابي ومربي الفصل) حتى أن معلم الرياضيات عندما عجز عن إسكاته في الحصة أخرجه من الفصل ولم يعي ابني أنه معاقب وأخذ يجوب ساحة المدرسة ويلعب في فنائها!! بل إنهم أرسلوه ذات يوم للوكيل لكرة حركته في الصلاة متناسين أنه لم يؤمر بعد بالصلاة لعدم بلوغه السابعة. وتساءلت محدثتي لماذا يسعى بعض المعلمين إلى جعل الأطفال أدوات متحركة بالريموت كنترول ولماذا لا تعرف مدارسنا سوى أسلوب الزجر والأوامر؟!!.
هذا جانب من جوانب وأد الإبداع، أما الجانب الآخر هو قوقعة مدارسنا في بوتقة المناهج القديمة والطرق التقليدية في التدريس فالطفل محروم من صقل مواهبه في المدرسة لأننا نقتصر في تعليمنا على الجانب النظري على الرغم من أن الطالب في هذه المرحلة يكون شغوفاً بالشيء الحسي ويميل إلى لمس الأشياء لتفجير ما لديه من طاقة وهذا ما حدا باليابان إلى التركيز على التعليم بالطرق غير التقليدية عندما ثارت ثورتها العلمية وكان نتيجة ذلك صعودها للقمة بالإضافة إلى عدم اتقان كثير من المعلمين التجديد أو الابتكار في أساليب التعليم لخلق جو تكاملي بين الطالب وعملية التعليم مما سيؤدي إلى التشجيع على روح الابتكار... وقد يكون للمناهج دور في ذلك حيث أنها تساعد على قلب فكر المعلم لأنه حريص على تنفيذها خطوة خطوة دون أن يكون له بصمة إبداع في طلابه أو أن يتمكن من تنمية روح التحدي لديهم.. بالاضافة إلى أن المساواة بين المعلم المتميز وغيره، ساهم في قتل روح الابتكار لدى المتميز لأن الوزارة غير قادرة على التفريق بينهما بالحوافز كالأولوية في النقل أو الترشيح للإشراف التربوي أو الدورات أو العلاوة السنوية وغيرها من الحوافز التي من منحتها الوزارة لمعلمي الصفوف الأولية تقديرا لجهودهم وواجباتهم تجاه أطفالنا.
همسة لك يا وزارة التربية والتعليم.. لدينا عقول كبيرة في هذه الأجسام الصغيرة.. فلنحمي أطفالنا المبدعين لأنهم كنز للأمة. علينا أن نضبط سلوك أطفالنا بقليل من القوانين الواضحة وأن نقلل القيود عليهم وأن نطبق القوانين لضبط سلوكياتهم لا من أجل استعراض مقدرة المعلم حتى لا نساعدهم على خرقها مما سيؤدي إلى توجيه تفكيرهم الإبداعي بشكل سلبي.. علينا أن نحترمهم ونحترم عقلياتهم وطفولتهم وأن نعطيهم فرصة لإثبات ذكائهم وتفوقهم العلمي، فإن لم نكن قادرين على إيقاظ الموهبة من سباتها فدعونا لا نقتلها إذا صحت..
وبشأن مناهجنا القديمة ومدارسنا التقليدية، أود أن أثني على جهود وزير التربية والتعليم في مشروع التعليم الإلكتروني ومشروع تطوير الرياضيات والعلوم الطبيعية والمشروع الشامل الذي سيتم تجريبهم على بعض المدارس في العام القادم، بناء على توجيهات خادم الحرمين الشريفين حفظه الله إيماناً منه بأن الوقت قد حان لإعادة النظر في أساليب ومناهج التعليم في مدارسنا في ظل القفزات العصرية والتكنولوجية التي يعيشها العالم، راجية أن تكون هذه المشاريع بداية لجعل التعليم في بلادنا بيئة تعليمية متكاملة مما سيوجد لنا طابور من النابغين والمبدعين.