اقتفاء تراثنا الشعبي في كتب الرحالة الغربيين..
ما كس أوبنهايم الرحالة الانجليزي الذي كان قد توغل في شمال الجزيرة العربية وديار شمر في العام 1929م يتحدث مرة أخرى عن المأكولات المتاحة لأبناء الصحراء ويذكر لنا طريقة يتبعها البدو أثناء ترحالهم السريع لإعداد الخبز عندما يشعلون النار على ظهور الإبل المنطلقة في المسير لإعداد وجبتهم المحببة فيقول:
يحب عرب الصحراء أكل لحوم الخرفان والإبل خاصة إذا كانت حيوانات صغيرة السن. غير أنهم لا يستطيعون التمتع بذلك كثيرا وفي المناسبات المتميزة تقدم الذبائح كاملة دون تقطيعها إلى أجزاء ويمزقها الضيوف بأصابعهم بطبيعة الحال ولا تستعمل الملعقة في الأكل إلا نادراً وبصفة عامة فان طريقة الأكل غير متحضرة قياساً بمفاهيمنا نحن، إذ يشمر ابن الصحراء كمّ ذراعه اليمنى إلى أقصاه ويشع بمتعة متميزة وهو يشعر بتقاطر السمن من اليد التي تهيئ اللقمة لتدفع بها إلى الفم. ويأكل البدوي بسرعة بالغة ويتلمظ أثناء ذلك محدثاً أصواتاً كثيرة، ثم يحتفظ بما تبقى من الأكل ليسخن لاحقاً ويقدم إلى الضيوف، ويقدم البدو عوضا عن البرغل الرز أيضا الذي يعتبرونه طبقا جيداً وفيما عدا ذلك يأكل البدوي كل ما يعثر عليه في الصحراء وتستطيع معدته هضمه وهي معدة جيدة الأداء بلا ريب فيأكل مثلاً الجربوع والضب الكبير والجراد وعددا كبيرا من الجذور والنباتات ويحب البدو خاصة فاكهة البطيخ التي يستهلكون منها كميات هائلة.
تمثل التمور غذاء أساسيا في مناطق النخيل التي لا تشمل شمال بلاد ما بين النهرين وسوريا، لكن الخبز لا يوجد في جميع المناسبات ويحضره أبناء البادية على شكل أقراص عريضة كبيرة قليلة السمك، كالأوراق على طبق يسمى صاج، وهو صفيحة معدنية منبسطة، أما أثناء الترحال عندما يكونون معرضين للخطر فقد يحضر البدو الخبز أيضا على ظهور الإبل وهي منطلقة أثناء سيرها، فيضعون طبقة مشتعلة من روث الإبل فوق الصاج ويبسطون أوراق العجين فوق ذلك، ثم يغطونها بطبقة أخرى من الروث المشتعل.
يحتل حليب الإبل والماعز مكانة أساسية في التغذية عند البدو، ولا يربى البقر والجاموس إلا عند القبائل التي أصبحت شبه مستقرة على نهر الفرات وروافده، ويحب البدو حليب الحيوانات حباً جماً، إلا أنه لا يتوفر بكميات كبيرة إلا في فصل الربيع، ويشرب البدو اللبن طازجاً أو حامضاً، وتعتبر الشنينة مشروباً محبباً خاصة في فصل الحر وهي نوع شديد الحموضة من اللبن، ممدد بكثير من الماء، ومما يجلب الانتباه أن البدو لا يعرفون كيف يصنعون الجبن من الحليب ولا تحب شمر الصيد ولذلك لا يقدمون لحوم الحيوانات المصطادة إلا نادراً على موائدهم.