تكثيف العولمة عبر أدوات الاتصال الكونية، بالقدر الذي نجح في خلق مفاهيم إنسانية مشتركة، فالكوفية الفلسطينية كدال رمزي للتحرر والنضال أصبحت حاضرة من أقصى الشرق وحتى أقصى الغرب، وحكاية إعلان شركة "دانكن دونات" الأمريكي مؤخراً مثال على هذا، بالقدر ذاته الذين أظهر ثقافة الأقليات والمهمشين كمؤثر بفعل أولئك الذي يحملون اعتزازاً عميقاً بثقافتهم المحلية، ويرفضون التخلي عنها.
ثقافة الهامش وجدت لنفسها منبراً للتعبير، بعد أن كانت وطوال تاريخ مديد مرتهنة بقرار المراكز الثقافية، وهذا ما يجعل تراثاً إنسانياً لشعب وقومية عريقة كالأكراد، يؤكد بعض المؤرخون أن مجموع ما دون في هذه الثقافة لا يتعدى الخمسمائة كتاب! نتيجة لتهميشهم طوال الوقت وسحقهم، أما اليوم فالتسجيلات المختلفة التي تعرض تراث الشعب الكردي على شبكة الإنترنت، من تاريخ موسيقي ورقصات شعبية وغيرها، أصبحت هذه الثقافة الهامشية تعلن حضورها باستمرار، وقد تسبب صداعاً لثقافات كانت تتعامل معها كثقافة مركز أو ثقافة مهيمنة، كالثقافة العربية والثقافة التركية.
هذا الإفصاح الثقافي يفتح آفاقاً حقيقية لخلق مشترك إنساني، لا يتأتى عن طريق القصر والإغراق الثقافي باتجاه واحد من الأقوى إلى الأضعف، وإنما نتيجة لتعبير الأضعف عن ثقافته، وتداخلها مع ثقافة الأقوى، وتداخل هذه الثقافات لخلق ما هو مشترك وهام، لكن ألا يمكن القول: إن هذه الرؤية مستحيلة، فالأقوى يفرض هيمنته، والأضعف مفتون به، حسب قانون ابن خلدون عن المغلوب المفتتن بالغالب! لكن السؤال الأهم إلى أي مدى تصمد اليوم فكرة هيمنة الأقوى في ظل الجمعيات العابرة للقارات والمؤسسات غير الرسمية المعنية بالشأن الثقافي والاجتماعي والتي تخضع لمقولات العالمية أكثر من التفاتها لأفكار الفرادة والتمترس خلف تاريخ جامد لثقافة معينة قوية كانت أم ضعيفة ؟! فالحديث اليوم عن أمركة ثقافية حديث بحاجة للكثير من التدقيق، ألا يمكن القول: إننا نواجه أفرقة بسبب تفشي التراث الزنجي في العالم كموسيقى وتراث شعبي وأزياء، أو لننظر إلى الأكلات الهندية والإيطالية والصينية واليابانية التي يتم تناولها في العالم أجمع، هل نراها وفق إطار هيمنة بأي شكل! وحتى الأدب اللاتيني الذي اجتاح العالم العربي في لحظة من اللحظات، هل يعبر عن هيمنة! ألا تؤدي هذه الظواهر إلى إعادة التفكير جدياً في أفكار الهيمنة والأمركة الثقافية!
التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له