د. مشاري بن عبدالله النعيم
من الواضح أننا نعيش أزمة قبول في الجامعات السعودية ويبدو أننا سنعاني دائماً من هذه الأزمة لأنه لم يتم اتخاذ خطوات جريئة لحل هذه المشكلة بل أن كل ما قمنا به هو ترقيع هنا وهناك، وإدخال الطلاب في حيرة وإفقادهم الحماس والجدية ولا أعلم لماذا لانقف أمام كل هذه "المهازل" وقفة جدية وصارمة وجماعية قبل كل شيء. أظرف ما سمعته هذه السنة هو أن امتحان القدرات سوف يقيّم بسبعين في المئة في القبول في الجامعات بينما ستقيّم درجة الثانوية العامة بثلاثين في المئة. إن صح هذا الكلام فهو أمر مضحك مبكٍ فكيف بربكم إعطي درجة امتحان واحد مدته أربع ساعات قد يكون الطالب مرهقاً أو يمر بظروف صعبة النسبة الأعلى وأقيّم سنتين أو ثلاث (إبتداءً من العام القادم) من الدراسة والجهد والمثابرة بنسبة ضئيلة وبعد ذلك نقول لماذا طلابنا غير جادين ولم يتعلموا شيئاً. يحق لهم ذلك ولو أني مكانهم لما تعاملت مع الدراسة الثانوية بجدية ولما فكرت أن أجهدنفسي فيما لا يفيد. سأفترض جدلا أن هناك فلسفة وراء إعطاء اختبار القدرات كل هذه الأهمية وسأصدق أن هذا الاختبار للقياس كما يؤكد ذلك مركز القياس وأنه فعلاً مقاس حسب منهجية التعليم لدينا ويعبر عن هذه المنهجية، إلا أنني لا أستطيع أن أستوعب هذا التهميش المستمر للثانوية العامة، فما يظهر لي هو أن اختبار القياس أتى كمخرج لوزارة التربية والتعليم للتخلص من مأزق ضعف التعليم العام بدلاً من البحث عن حلول جذرية تعيد التعليم للطريق الصحيح. من وجهة نظري الشخصية نحن أمام معضلة تعليمية وكل عام تأتي الاجتهادات من كل حدب وصوب ولا نرى دراسة حقيقية يمكن الركون إليها لتطوير التعليم وأنا هنا لا أدعو وزارة التربية والتعليم أن تنحو منحى وزارة التعليم العالي وتبتكر مشروع "آفاق" جديد لتطوير التعليم العام لكني أدعو بكل أمانة طرح المشاكل بشفافية ودعوة الجميع للمشاركة في حلها فالتعليم يمس فلذات أكبادنا، يشكلهم ويصنع مستقبلهم ولا أعتقد أن هناك أباً أو أماً في بلادنا ليس لديه رأي في التعليم لنسمع منه ونتعلم من تجاربه بدلاً من قرارات "الغرف المغلقة" وتوصيات "فنادق السبع نجوم".
أذكر قبل عامين أو أكثر دعانا وزير التربية والتعليم (معشر الكتاب) للقاء كان يفترض أن يتكرر كل ثلاثة شهور وقلنا في ذلك الوقت ان صدق الوزير والتقينا مرتين في السنة فسيكون هذا انفراجاً في التعليم لكني شخصياً كنت على ثقة أنه لن تكون هناك لقاءات أخرى، على أن ما لفت نظري في ذلك اللقاء هو استخدام الوزير كلمة "مقاول" عندما تحدث عمن اعطته الوزارة تطوير مادة الرياضيات والفيزياء حسب ما أتذكر، وقد أزعجني استخدام هذه "اللفظة"، فتطوير مادة تدريسية لا يحتاج إلى مقاول بل يحتاج إلى رؤية لكن على ما يبدو تغلب الجوانب المادية على كل معاملات الوزارة كونها مؤسسة حكومية بالدرجة الأولى. وقد نبهني آنذاك وكيل وزارة التربية أن كلمة مقاول تستخدم في كل المشاريع الحكومية لكني لم أقتنع أبداً لأني كنت أتوقع من الوزير أن يعبر عن تطلعات الوزارة بعيداً عن "المقاولات" لكني اقتنعت أن وزارة التربية والتعليم بحاجة إلى رؤية جديدة ليس بسبب هذه اللفظة الغريبة ولكن بسبب الاجتهادات التي صارت تغلب على منهجية الوزارة ورؤيتها والنتائج غير المرضية التي يعيشها التعليم العام "غير الجاد" أبداً في بلادنا.
لا أنكر أبداً أنني ضد اختبارات القياس، وأنا لست تربوياً بالمعنى المتخصص لكني أب ومعلم ولي تجربتي المحدودة في التعليم الاكاديمي وربما أستطيع أن "أفتي" حول المنهج الذي يمكن أن نقيّم به قدرات الطلاب بدلاً من منهجية "التعميم" التي يؤسس لها اختبار القياس. أنا مؤمن بالدرجة الأولى بتطوير التعليم الثانوي وتغييره بالكامل، وإذا كانت الدولة مصرة على الاستمرار في فصل التعليم إلى وزارتين كما هو حاصل الآن (واحدة للتعليم العام وأخرى للتعليم العالي) رغم أن كثيراً من دول العالم تجاوزت هذا الفصل، فيجب ربط التعليم الثانوي بوزارة التعليم العالي وفصله عن التعليم العام. ويكفي لوزارة التربية والتعليم التركيز على السنوات الأولى وحتى الانتهاء من الاعدادية. وإذا ما كانت وزارة التعليم العالي غير مستعدة لهذه المسؤولية فإنني أقترح تأسيس وزارة جديدة للتعليم الثانوي كونه يمثل إحدى المراحل الخطيرة فكرياً ومهنياً وتعليمياً وأعتقد أن أغلب الافكار الشاذة والمنحرفة التي صنعت الفكر الارهابي تشكلت في المرحلة الثانوية وتجربتي الخاصة خير برهان (بالطبع لايمكن تعميمها) ففي مطلع الثمانينات (1982م) بدأت في ثانوية الهفوف وكانت تعج بالفكرالديني وتأسست لأول مرة الجمعية الإسلامية في المدرسة التي قادت النشاط اللاصفي بشكل كامل وأذكر أنني خلال الصف الأول ثانوي لم اتمتع بالفسحة ولا بعطلة نهاية الإسبوع فقد كنت مرتبطاً بالجمعية في كل أنشطتها. لقد تعلمت منهجية "اقرأ لفلان ولا تقرأ لفلان" وطاعة الأوامر دون طرح الأسئلة وتعميق الرأي الواحد من خلال تلك الانشطة التي كان يغلب عليها الوعظ الديني. المرحلة الثانوية ممتلئة بالمخاطر وبدلاً من وضع العراقيل أمام طلابنا وطالباتنا واختزال جهدهم في اختبار القدرات يجب أن ننفض عن التعليم الثانوي غبار وزارة التربية وتأسيس وزارة خاصة به (وأنا هنا جاد لأنه يبدو أن هناك صعوبات في وضع التعليم كله تحت مظلة واحدة).
أكثر ما يزعجني هذه الأيام هو عندما أبرر بعض التصرفات اللامسؤولة لبعض طلابنا في الجامعة وأقول "إنهم مازالوا أطفالاً"، فهذا التبرير يخنقني ويشعرني بالخجل خصوصاً عندما يكون أمام بعض الاجانب الذين استوردناهم لتعليم هؤلاء الأطفال. وليعذرني القارئ لاستخدامي كلمة "استوردناهم" لأنهم فعلاً يأتون لنا من أجل المال لا من أجل إثراء تجاربهم وتجاربنا والتعلم منهم ومنا بالاضافة إلى المال. ولا أريد أن ابتعد عن الموضوع فهذا أمر آخر يمكن أن نتحدث حوله لاحقا، لكني أود أن أؤكد هنا أن هؤلاء الأطفال "الكبار" هم ضحية وزارة التربية والتعليم التي لم تعلمهم كيف يكونون رجالا، ولعلي أختم المقال بمشهد رأيته وأنا ذاهب للإجازة فقد كان هناك مجموعة من الكشافة الكويتيين على متن الطائرة اعتقد أنهم في الصفوف الإعدادية ومعهم مشرفهم وكانوا ذاهبين في رحلة مدرسية لما وراء البحار، أعتقد أن مثل هذه الرحلات التي تفتقد لها جامعاتنا لا مدارسنا هي جزء من تحربة صنع المسؤولية التي يبدو أن تعليمنا بشكل عام تنصل عنها وتركها للآخرين، أي كانوا أولئك الآخرين.